دمشق
قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، اليوم الأربعاء، إن ضمان عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها سوريا خلال العقود الماضية يتطلب عملية تحول عميقة تشمل إصلاح المؤسسات، وإعادة بناء المجتمع، وإحداث تغيير ثقافي طويل الأمد، وذلك في أعقاب سقوط النظام في كانون الأول/ ديسمبر 2024.
وأوضحت الشبكة في تقرير نشرته على موقعها الرسمي، أن سقوط النظام أتاح فرصة تاريخية أمام سوريا لمعالجة أحد أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات الخارجة من النزاعات، والمتمثل في ضمان عدم تكرار الانتهاكات المنهجية التي استمرت لأكثر من خمسة عقود.
وأشارت إلى أن هذه المهمة لا تقتصر على المحاسبة القانونية، بل تشمل إعادة تصميم مؤسسات الدولة وإعادة بناء المجتمع وإحداث تحول في الأنماط الثقافية والتوجهات الفردية التي سمحت باستمرار الفظائع الجماعية طوال تلك الفترة.
وبحسب الشبكة، فإن مفهوم “ضمانات عدم التكرار”، كما جرى تطويره في إطار العدالة الانتقالية، يمثل أداة تحليلية لتقييم التزامات الدولة الوقائية والتخطيط لها ومراقبتها.
وترتبط هذه الضمانات ارتباطاً وثيقاً بالقانون الدولي، إذ أكدت لجنة حقوق الإنسان أن مقاصد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية قد تتقوض في حال غياب التزام باتخاذ تدابير تحول دون تكرار الانتهاكات الجسيمة.
وأشارت الشبكة إلى أن ما يميز ضمانات عدم التكرار عن بقية ركائز العدالة الانتقالية هو طابعها الوقائي، فالعدالة الجنائية تسهم في الوقاية عبر الردع، بينما تؤدي لجان الحقيقة دوراً وقائياً من خلال كشف الحقائق وتقديم التوصيات، كما يسهم جبر الضرر في تمكين الضحايا من المطالبة بحقوقهم وتعويضهم بشكل أكثر فعالية.
إلا أن ضمانات عدم التكرار تستوعب هذه الجهود مجتمعة وتتجاوزها إلى تدخلات أوسع تهدف إلى تقليل احتمالات تكرار الانتهاكات الجسيمة وخرق القانون الدولي الإنساني، وفق ما ذكرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
وأكدت الشبكة أن الانتهاكات التي شهدتها سوريا خلال حكم النظام اتسمت بطابع منهجي، إذ كان التعذيب مؤسسياً، والاختفاء القسري ممنهجاً، كما استخدمت الأسلحة الكيميائية ضد السكان المدنيين، في حين صُممت أجهزة الدولة بأكملها، بما فيها الأجهزة الأمنية والقضائية، بطريقة تضمن استمرار هذه الانتهاكات.
ولفتت الشبكة إلى أن ضمان عدم التكرار على المستوى المؤسسي يتطلب سلسلة من التدخلات تبدأ بإجراءات تأسيسية وتمتد إلى إصلاحات دستورية شاملة، وفي هذا السياق تبرز مسألتان أساسيتان هما الأمن للجميع والهوية القانونية، فإرساء الأمن في إطار الامتثال الكامل لمعايير حقوق الإنسان يعد شرطاً أساسياً، في حين تمثل أزمة فقدان الوثائق القانونية وتضرر السجلات المدنية نتيجة النزاع والنزوح الجماعي تحدياً كبيراً يحرم ملايين السوريين من الوصول إلى القضاء وممارسة حقوقهم المدنية.
وأضافت أن معالجة هذه الأزمة تتطلب إعادة بناء نظام السجلات المدنية وضمان حصول جميع السوريين على وثائقهم القانونية، لأن غياب هذه الوثائق يعيق قدرة الضحايا على الوصول إلى العدالة أو المطالبة بالتعويضات.
كما شددت الشبكة على ضرورة إجراء إصلاح قانوني شامل يتضمن إدماج الجرائم الدولية في التشريعات الوطنية السورية، بما يتوافق مع التزامات البلاد بموجب القانون الدولي، ولا سيما فيما يتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية، والتي لا تسقط بالتقادم وفق القواعد الآمرة في القانون الدولي.
اقرأ أيضاً: قرارات الإفراج في سوريا: البعد السياسي والمؤسساتي وتأثيرها على مسار العدالة الانتقالية
وأكدت أن إصلاح القضاء يمثل أحد أهم عناصر ضمان عدم تكرار الانتهاكات، موضحة أن القضاء في عهد النظام تحول إلى جزء من منظومة الانتهاكات بدلاً من أن يكون ضامناً للحقوق، حيث عملت المحاكم كأدوات بيد السلطة التنفيذية وصادقت على الاعتقالات التعسفية وشرعنت ممارسات التعذيب وأسهمت في حماية مرتكبي الانتهاكات.
وأشارت الشبكة إلى أن إصلاح القضاء يتطلب تدقيق الكوادر القضائية وتعزيز استقلال السلطة القضائية وتطوير قدرات متخصصة للنظر في الجرائم الجماعية والانتهاكات واسعة النطاق، مضيفة أن هذه العملية يجب أن تحترم الأصول القانونية ومبدأ الفصل بين السلطات، لكنها تظل ضرورية لاستعادة ثقة المجتمع بالمؤسسة القضائية.
وبيّنت أن الإصلاحات الهيكلية في القضاء ضرورية لضمان قدرة المحاكم على مراقبة السلطة التنفيذية بشكل مؤسسي، بدلاً من الاعتماد على نزاهة أفراد بعينهم.
وفي ما يتعلق بالإصلاح الدستوري، أشارت الشبكة إلى أن هذه الخطوة تمثل المستوى الأكثر طموحاً من الإصلاح المؤسسي، موضحة أن البدء بعملية تدريجية لصياغة دستور جديد قد يكون الخيار الأنسب لسوريا، بحيث تتيح هذه العملية بناء توافق وطني حول قضايا أساسية مثل الفصل بين السلطات واستقلال القضاء والطابع غير الحزبي لقوى الأمن، إضافة إلى إدراج وثيقة فعالة للحقوق.
وأكدت الشبكة أن ضمان عدم تكرار الانتهاكات لا يقتصر على الإصلاح المؤسسي، بل يتطلب أيضاً تعزيز دور المجتمع المدني، ففي المجتمعات الخارجة من النزاعات تكون مؤسسات الدولة غالباً ضعيفة أو غير فعالة، ما يجعل المجتمع المدني عاملاً مهماً في منع الانتهاكات.
وأضافت أن المجتمع المدني السوري أظهر قدرة كبيرة على الصمود خلال سنوات النزاع، من خلال توثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة والاستمرار في العمل الحقوقي رغم المخاطر، منوهة إلى ضرورة حماية هذه القدرة وتعزيزها بدلاً من تقييدها بإجراءات قانونية وبيروقراطية معقدة.
ولفتت الشبكة إلى أهمية برامج التمكين القانوني للفئات التي تعرضت للتهميش تاريخياً، ولا سيما النساء والنازحين، لما لها من دور في تعزيز مشاركتهم في عمليات العدالة الانتقالية.
وأوضحت أن التحولات الأكثر استدامة تتطلب أيضاً تدخلات ثقافية ونفسية واجتماعية، إذ تلعب الثقافة والتوجهات الفردية دوراً أساسياً في استقرار العلاقات الاجتماعية، مؤكدة أن التعليم يمثل أداة وقائية مهمة في المجتمعات الخارجة من النزاعات، حيث يمكنه ترسيخ ثقافة المواطنة الديمقراطية والتعامل مع الروايات المتنازعة حول الماضي.
وتابعت أن إصلاح النظام التعليمي في سوريا يعد ضرورة أساسية بعد عقود من استخدامه لترسيخ الأيديولوجيا السلطوية، مشيرة إلى أهمية حفظ الأرشيفات التي توثق الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها البلاد، بما في ذلك أدلة التعذيب المنهجي والهجمات الكيميائية والاختفاء القسري، وإتاحتها للأجيال القادمة ضمن أطر قانونية تحمي خصوصية الضحايا والشهود.
ونوهت الشبكة إلى ضرورة إدماج خدمات الدعم النفسي والاجتماعي ضمن سياسات منع تكرار الانتهاكات، موضحة أن الصدمات غير المعالجة والعنف البنيوي قد يسهمان في إعادة إنتاج دورات جديدة من العنف.
وختمت الشبكة السورية لحقوق الإنسان بالقول إن ضمان عدم تكرار الانتهاكات في سوريا يتطلب سياسة شاملة تعمل بالتوازي على المستويات المؤسسية والمجتمعية والثقافية، مؤكدة أن طبيعة الصراع السوري وما رافقه من انتهاكات متعددة الأبعاد تستدعي استجابة مماثلة في شموليتها، وأن تحقيق هذه الأهداف يعتمد على توافر الإرادة السياسية والدعم الدولي المستدام لتحويل هذه الالتزامات إلى واقع مؤسسي دائم.










