في ظل تصاعد الجهود الدولية نحو تهدئة التوتر في الشرق الأوسط، يعيد ملف المفاوضات السورية-الإسرائيلية الظهور على الساحة السياسية بعد توقف استمر لأسابيع، مع عودة المحادثات الأمنية برعاية الولايات المتحدة في العاصمة الفرنسية باريس وسط ضغط أميركي متزايد لإنجاز اتفاق بين دمشق وتل أبيب.
وتأتي هذه الجولة بعد تعثر جولات سابقة من المفاوضات، في وقت تتزايد فيه الضغوط لاحتواء التوترات عند الحدود الجنوبية لسوريا، ولا سيما مع استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في منطقة جبل الشيخ الذي يشكل إحدى العقبات الرئيسية أمام التوصل إلى تفاهم شامل.
وفي أحدث تطور لافت،كشفت مصادر لموقع “ميدل إيست آي” أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب منح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مهلة شهر واحد فقط لإنهاء الاتفاق الأمني مع دمشق، في خطوة تعكس عزمه على دفع الأطراف إلى التوصل إلى اتفاق سريع قبل حلول مهلة نهاية شباط/فبراير أو بداية آذار/مارس المقبل، وهو ما وصفته مصادر بأنه جدول زمني ضاغط ينطوي على رسالة أميركية واضحة بأهمية تسريع وتيرة الحوار.
وقد أبلغ ترامب الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع بهذا الجدول الزمني خلال اتصال هاتفي، مع توقعات بأن الاتفاق قد يُعلن قريباً إذا جرت مفاوضات ناجحة في الأسابيع القادمة.
وتسعى واشنطن عبر هذا الإطار الزمني المحدد إلى إحداث اختراق في ملفٍ ظل لفترة طويلة محطّ خلافات عميقة بين الطرفين، وسط تشديد أميركي على ضرورة إنهاء وجود القوات الإسرائيلية في المناطق المتنازع عليها، مقابل ضمانات أمنية تلبي مخاوف تل أبيب.
ويُنظر إلى هذه الخطوة كجزء من استراتيجية أوسع للولايات المتحدة لتعزيز استقرار المنطقة، وتأمين حدودها، واستخدام الملف السوري كعنصر محوري في محاولة تحقيق اختراق دبلوماسي قد يمتد تأثيره إلى ملفات أخرى في الشرق الأوسط.
مطالب دمشق وشروطها السيادية في أي مسار تفاوضي
تؤكد دمشق أن أي تفاوض مع إسرائيل يجب أن ينطلق من مبدأ احترام وحدة وسيادة الأراضي السورية، ووقف التدخل في الشؤون الداخلية. وفي هذا السياق، يوضح أستاذ الدراسات الدولية في جامعة صن يات سين الصينية، شاهر الشاهر، في تصريحات لـ”963+” أن الحكومة السورية تطالب بضمانات واضحة من إسرائيل، تقوم في جوهرها على عدم العبث بملف الأقليات أو محاولة التواصل مع أي مكونات سورية، ولا سيما في الجنوب السوري أو شمال شرق البلاد، مع التشديد على أن هذا الملف شأن داخلي خالص.
ويضيف أن دمشق تطالب أيضاً بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي دخلتها بعد الثامن من ديسمبر، عقب سقوط النظام السابق، والعودة إلى خطوط الحدود التي كانت قائمة قبل ذلك التاريخ، إضافة إلى إعادة تفعيل اتفاقية فصل القوات لعام 1974 باعتبارها الإطار القانوني الناظم للعلاقة الميدانية بين الطرفين.
من جانبه، يؤكد الخبير في العلاقات السورية ـ الإسرائيلية خالد خليل في تصريحات لـ”963+” أن دمشق دخلت المفاوضات منذ بدايتها بمقاربات واضحة وواقعية، وقدّمت مطالب سيادية محددة، تتمثل في وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من التوغلات الجديدة، بما يسمح لها بالتفرغ لإعادة بناء الداخل السوري دون المساومة على الحقوق الوطنية.
وتشدد دمشق على أن المبررات الأمنية التي تطرحها إسرائيل لتبرير وجودها داخل الأراضي السورية تفتقر إلى الأساس الواقعي.
ويرى الشاهر أن إسرائيل نفذت خلال السنوات الماضية آلاف الغارات الجوية، ونجحت في تدمير معظم القدرات العسكرية الثقيلة للجيش السوري، ما ينفي وجود تهديد فعلي لأمنها القومي.
ويتقاطع هذا الطرح مع قراءة خليل، الذي يعتبر أن إسرائيل، بعد سقوط نظام الأسد، دخلت في حالة فقدان للتوازن الاستراتيجي، دون امتلاك ذرائع أمنية حقيقية.
ويضيف أن سياسات اليمين المتطرف بُنيت على هواجس أيديولوجية أثبتت فشلها، وتعرّضت لانتقادات داخل إسرائيل نفسها، بما في ذلك من معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، الذي حذّر من توظيف النشاط العسكري غير المبرر لأهداف سياسية داخلية.
التحول في مسار المفاوضات والضغط الأميركي
يشير خليل إلى أن الجولة الخامسة من المفاوضات السورية–الإسرائيلية، المعروفة باسم “باريس 3″، شكّلت نقطة تحول مهمة، إذ انتقل المسار من التصعيد إلى التهدئة بعد أن كان قد وصل إلى طريق مسدود.
ويعزو ذلك إلى الضغوط الأميركية التي مورست على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأجبرته، بحسب تعبيره، على التراجع عن سياسة العربدة العسكرية والاعتداءات التي تنتهك القانون الدولي والسيادة السورية.
ويضيف أن الطرفين دخلا مرحلة تهدئة، إلا أن هذه المرحلة ما زالت بحاجة إلى ترجمة عملية عبر بناء إجراءات ثقة متبادلة على الأرض.
وفي السياق نفسه، يرى الشاهر أن الحكومة السورية الانتقالية تعوّل بشكل كبير على الولايات المتحدة لتفعيل أو رعاية أي اتفاق محتمل مع إسرائيل.
ويطرح تساؤلاً حول ما الذي تريده واشنطن تحديداً، ليجيب بأن الولايات المتحدة تسعى إلى اتفاق سلام حقيقي وفعّال، يتجاوز نماذج السلام التقليدية، ولا يكون مجرد وثيقة شكلية.
رؤية واشنطن وترامب للسلام في سوريا
يعتقد الشاهر أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسعى إلى تقديم اتفاق السلام السوري ـ الإسرائيلي كنموذج جديد للسلام في الشرق الأوسط، يبدأ من سوريا، ويُقدَّم للرأي العام الأميركي والعالمي بوصفه إنجازاً سياسياً.
ويرى أن الإدارة الأميركية باتت تنظر إلى الحكومة السورية الجديدة بوصفها شريكاً موثوقاً، خاصة في ملفات محاربة الإرهاب، ومنع عودة الميليشيات المسلحة أو النفوذ الإيراني، ووقف أي إمدادات عسكرية إلى حزب الله. كما يشير إلى أن الشرع أصبح خياراً مفضلاً لدى ترامب، وأن حماسة الرئيس الأميركي لدعمه تفوق حماسة بقية مؤسسات الإدارة، وهو ما يشكل نقطة يمكن البناء عليها سياسياً.
ويضيف أن التطورات المتسارعة في شمال شرقي سوريا عزز ثقة الولايات المتحدة والأطراف الدولية بدمشق، وهو ما انعكس في تصريحات وزارة الداخلية الأخيرة التي أكدت المضي في تنفيذ هذه الترتيبات بوتيرة متسارعة.
عند تناول وجهة النظر الإسرائيلية، يوضح الشاهر أن إسرائيل ترى نفسها بحاجة فعلية إلى السلام مع سوريا، نظراً لثقلها التاريخي وتأثيرها في الرأي العام العربي، سواء عبر قوتها الناعمة أو دورها الثقافي والتعليمي السابق في المنطقة.
ويستحضر في هذا السياق المقولة الإسرائيلية الشهيرة: “لا حرب دون مصر ولا سلام دون سوريا”، معتبراً أن مرحلة الحروب انتهت عملياً بعد كامب ديفيد، وأن إسرائيل تسعى اليوم لاستكمال مسار السلام الحقيقي باتفاق مع دمشق.
ويربط الشاهر هذا التوجه بالمصالح الاقتصادية، ولا سيما بالنسبة للولايات المتحدة، التي تطرح مقاربة جديدة تقوم على بناء شرق أوسط آمن وخالٍ من الفصائل المسلحة.
ويطرح الشاهر تساؤلاً محورياً حول إمكانية ذهاب دمشق إلى توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل دون وجود المملكة العربية السعودية، مشيراً إلى أن إسرائيل تنظر إلى سوريا والسعودية بوصفهما معاً ركيزتين أساسيتين في أي ترتيبات إقليمية، نظراً للثقل الكبير الذي تمثله الرياض.
ويرى أن دمشق حريصة على أن يتم أي مسار سلام ضمن مظلة عربية، وقد تفضل التوجه نحو اتفاقيات سلام عربية–إسرائيلية شاملة، بدلاً من اتفاق منفرد.
الترتيبات الأمنية والإقليمية ما بعد الجنوب السوري
يشير الشاهر إلى أن الولايات المتحدة لا ترغب في تحوّل الجنوب السوري، أو سوريا عموماً، إلى ساحة صراع أو تنافس بين تركيا وإسرائيل. ويعتبر أن انسحاب إسرائيل من الجنوب السوري قد يفتح الباب أمام ضغوط مماثلة على القوات التركية للانسحاب من شمال سوريا، بحجة انتفاء المبررات الأمنية.
وفي الإطار ذاته، يلفت خليل إلى أن اجتماع باريس في السادس من يناير أظهر تقدماً ملحوظاً، حيث جرى حل نحو 90% من القضايا الخلافية، والانتقال من منطق التصعيد إلى التهدئة، إضافة إلى بحث إنشاء غرفة تنسيق ثلاثية في الأردن تضم الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا، للتنسيق الأمني والعسكري والاستخباراتي، إلى جانب أبعاد اقتصادية، من بينها استبدال فكرة المنطقة العازلة بمناطق تجارية وصناعية وسياحية على جانبي الحدود.
ويخلص خليل إلى أن دمشق تمتلك اليوم أوراقاً قانونية وسياسية قوية، في ظل تعرضها لاعتداءات تخالف القانون الدولي، إضافة إلى التحولات السياسية التي جعلت من سوريا الجديدة حجر زاوية في استقرار المنطقة، وفق ما تؤكده الإدارة الأميركية.
ويعتبر أن الاعتداءات الإسرائيلية الحالية ذات طابع مرحلي وانتخابي، وتهدف إلى تحسين شروط التفاوض، وهو ما دفع ترامب، بحسب تعبيره، إلى رفع “البطاقة الحمراء” في وجه نتنياهو، وصولاً إلى مخرجات اجتماع باريس الأخير.










