بروكسل
حذّر المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات (ECCI)، من أن هروب عناصر من تنظيم “داعش” من سجون في شمال شرق سوريا، يشكّل تطوراً أمنياً بالغ الخطورة.
وأوضح المركز، في تقرير صدر أمس الثلاثاء، أن هذا التطور جاء في سياق تحولات سياسية وعسكرية عميقة أعقبت التصعيد العسكري بين قوات سوريا الديموقراطية (قسد) والحكومة السورية ما أوجد فراغاً أمنياً استغلته الجماعات المسلحة.
وأشار، إلى أن عملية الهروب وقعت في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، وسط انحسار الدور الأميركي المباشر في إدارة مراكز الاحتجاز، إلى جانب تصاعد الخلافات بين “قسد” ودمشق حول آليات دمج القوات والسيطرة على الموارد والسجون.
وأكد المركز أن هذا الواقع أفرز فراغاً أمنياً مؤقتاً سرعان ما تحوّل إلى فرصة مواتية للجماعات المسلحة، سواء عبر هجمات مباشرة على السجون أو نتيجة فوضى السيطرة الناجمة عن تبدل الجهات المسؤولة.
وبحسب المركز الأوروبي، فإن هروب عناصر متمرّسة قتالياً يمنح تنظيم “داعش” فرصة حقيقية لإعادة تنظيم صفوفه وبناء شبكات لوجستية وخلايا نائمة، مستفيداً من خبرات ميدانية تراكمت خلال سنوات الصراع، كما يوفر الحدث مادة دعائية للتنظيم تعزز سردية “كسر السجون” التي استخدمها تاريخياً لرفع المعنويات واستقطاب عناصر جديدة.
وذكّر التقرير بتجارب سابقة، مثل هروب سجناء أبو غريب في العراق عام 2013، وهجوم سجن الحسكة عام 2022، مؤكداً أن مثل هذه الأحداث غالباً ما تسبق موجات جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
وأكد المركز أن انعكاسات هروب سجناء “داعش” لا تقتصر على الداخل السوري، بل تمتد إلى الإقليم، حيث تزداد احتمالات تسلل عناصر فارّة إلى الأراضي العراقية عبر البادية السورية، ما يعزز التنسيق بين فرعي التنظيم في سوريا والعراق، ويضاعف الضغوط على الأجهزة الأمنية العراقية.
كما يسعى التنظيم، وفق التقرير، إلى استثمار الحدث دعائياً باعتباره دليلاً على استمرارية حضوره وقدرته على تحدي خصومه، ما قد يحفّز أنصاره على تنفيذ هجمات فردية أو عمليات محدودة النطاق في المنطقة.
وحذّر المركز الأوروبي من أن حادثة الهروب تحمل أبعاداً مقلقة للأمن الأوروبي، خصوصاً أن سجون شمال شرق سوريا تضم أعداداً من المقاتلين الأجانب، بينهم أوروبيون أو أشخاص على صلة مباشرة بدول الاتحاد.
وأوضح التقرير أن ذلك يعني ارتفاع احتمالات العودة غير الشرعية، أو انتقال بعض الفارّين عبر شبكات تهريب باتجاه أوروبا، بما يرافقه من مخاطر تنفيذ هجمات فردية أو إعادة تنشيط خلايا نائمة داخل المجتمعات الأوروبية.
وتعيد الحادثة، بحسب المركز، إلى الواجهة مأزق السياسات الأوروبية القائمة على إبقاء المقاتلين الأجانب خارج الحدود الأوروبية، وهو نهج بات أقل قابلية للاستمرار في ظل هشاشة الوضع الأمني في سوريا، وما يرافقه من مخاطر قانونية وأخلاقية وسياسية تتعلق بمسؤولية الدول الأوروبية عن رعاياها.
وبيّن التقرير أن الخلاف بين “قسد” وحكومة دمشق يشكّل بيئة مثالية للتنظيم، ليس فقط بسبب ضعف التنسيق الأمني، بل لأن كل طرف ينظر إلى المرحلة من زاوية سياسية مختلفة، ما أوجد مساحات رخوة لا تخضع لسيطرة محكمة.
وأكد المركز أن التنظيم لا يحتاج اليوم إلى السيطرة المكانية الواسعة كما في مرحلة “الخلافة”، بل يكتفي بحرية الحركة، والتخفي، وإعادة بناء الشبكات المحلية، مستفيداً من انشغال الأطراف المتصارعة بتثبيت مكاسبها بدل التركيز على التهديد الجهادي.
ودعا المركز الأوروبي الدول الأوروبية إلى الانتقال من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة المعالجة الجذرية، عبر تسريع إعادة المقاتلين الأجانب، وضمان محاكمتهم ضمن أطر قانونية واضحة، وتطوير برامج فعالة لنزع التطرف وإعادة التأهيل، إلى جانب تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون مع دول الجوار السوري.
وعلى مستوى التحالف الدولي، شدّد التقرير على ضرورة إعادة تعريف مهمته، لتشمل حماية مراكز الاحتجاز، ودعم القدرات الاستخباراتية المحلية، وتنفيذ عمليات استباقية ضد الخلايا النائمة، إضافة إلى تحييد ملف السجون عن الصراع السياسي، وإنشاء آليات إدارة مشتركة أو رقابة دولية تقنية، وإعادة فرز المعتقلين وفق درجات الخطورة.
وأمس الثلاثاء، أعلنت وزارة الداخلية السورية، أنها ألقت القبض على عشرات الموقوفين من تنظيم “داعش” كانوا قد فروا من سجن الشدادي بريف محافظة الحسكة شمالي شرقي البلاد.
وقالت الوزارة، إنه إثر حادثة الهروب التي شهدها سجن الشدادي، والتي أسفرت عن فرار نحو 120 عنصراً من تنظيم “داعش”، وكانوا محتجزين داخل السجن الذي كانت تديره قوات سوريا الديموقراطية دخلت وحدات من الجيش السوري إلى مدينة الشدادي، برفقة وحدات المهام الخاصة التابعة لوزارة الداخلية.
وأوضحت الوزارة في بيان نشر على منصة “فيسبوك” أن الوحدات المختصة باشرت فور دخولها المدينة بتنفيذ عمليات تفتيش وتمشيط دقيقة ومنظمة داخل مدينة الشدادي ومحيطها، بهدف ملاحقة العناصر الفارّة، وضمان حفظ الأمن والاستقرار.
وبيّنت وزارة الداخلية أن هذه العمليات أسفرت عن إلقاء القبض على 81 عنصراً من الفارّين، في حين تتواصل الجهود الأمنية المكثفة لملاحقة البقيّة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم أصولاً.
وأكدت وزارة الداخلية، بالتعاون والتنسيق مع وزارة الدفاع وجهاز الاستخبارات العامة، استمرارها في أداء واجبها في مكافحة الإرهاب، وتعزيز الأمن، وحماية المواطنين، والحفاظ على الاستقرار العام.










