بيروت
أفادت صحيفة “يديعوت أحرونوت“، اليوم الاثنين، أن الجيش الإسرائيلي غير راض عن اتفاق الآلية المشتركة المبرمة بين سوريا وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.
وذكرت الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي لم يكن مشاركاً في محادثات باريس والتي نتج عنها توقيع اتفاق الآلية المشتركة، حيث من المتوقع أن تؤدي إلى تغييرات ملموسة في واقع منطقة جنوبي سوريا، ولا سيما في ظل سماح إسرائيل، خلال الأشهر الأخيرة، بدخول قوات تابعة للحكومة السورية الانتقالية إلى المنطقة باستخدام مركبات عسكرية صغيرة.
وبحسب “يديعوت أحرونوت”، لا تشير المعطيات المتوافرة إلى أن هذه المحادثات تمثل اختراقاً باتجاه “شرق أوسط جديد”، أو سلام، أو حتى تطبيع مع سوريا، بل تتركز المفاوضات على تقديم ضمانات أمنية لإسرائيل مقابل انسحابها من تسعة مواقع عسكرية أقامتها في الجولان السوري خلال العام الماضي، إضافة إلى الانسحاب من قمة جبل الشيخ الاستراتيجية، التي سيطرت عليها إسرائيل في خريف العام الماضي من دون قتال.
وأوضحت الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي بدأ بتقييم تداعيات مثل هذا الترتيب، رغم تأكيد مسؤولين سياسيين، الأسبوع الماضي، أن القوات الإسرائيلية ستبقى في جميع الأحوال متمركزة على قمة جبل الشيخ السوري، نظراً لأهميتها الاستراتيجية في تمكين قيادة المنطقة الشمالية من مراقبة طرق تهريب السلاح بين سوريا ولبنان.
إلا أن تقارير صادرة عن المحادثات تشير، وفق الصحيفة، إلى وجود توافق مبدئي على انسحاب إسرائيلي، بل وحتى فرض قيود أو حظر على نشاط الجيش الإسرائيلي داخل سوريا، ولا سيما سلاح الجو.
وأضافت “يديعوت أحرونوت” أن الجيش الإسرائيلي تمتع، على مدى سنوات، بحرية عمل واسعة داخل سوريا ضمن ما يُعرف بعمليات “المعركة بين الحروب” الهادفة إلى إحباط تعاظم قوة “حزب الله” اللبناني، وتوسعت هذه الحرية بشكل أكبر بعد سقوط النظام.
وذكرت، أن الحكومة السورية الانتقالية تطالب بوقف الغارات الجوية الإسرائيلية، الأمر الذي يقدّر الجيش الإسرائيلي أنه سيصعّب عليه منع تهريب أسلحة متطورة من العراق وإيران عبر سوريا إلى “حزب الله” الذي يسعى إلى استعادة قدراته.
وبيّنت الصحيفة أن هذه الممرات كانت قد تضررت بشكل كبير بفعل الجهود المستمرة لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وسلاح الجو، غير أن التوصل إلى اتفاق جديد بين القدس ودمشق قد يسهم في إعادة فتحها.
كما أشارت إلى أن بقايا منظومات تسليح وقدرات استطلاع، من بينها رادارات روسية تعود إلى حقبة النظام المخلوع، ما تزال منتشرة في أنحاء سوريا.
ونوهت إلى أنه رغم افتقار الجيش السوري الناشئ للقدرة أو الخبرة اللازمة لتشغيل معظم هذه المعدات، إلا أن أي اتفاق مع الحكومة السورية الانتقالية قد يقيّد الجيش الإسرائيلي عن استهدافها عند ظهورها في التقارير الاستخباراتية.
ووفق “يديعوت أحرونوت”، يطالب الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع أيضاً بفرض قيود على الضربات الإسرائيلية في منطقة حوران، الممتدة من الجولان السوري شرقاً لمسافة تتراوح بين 70 و100 كيلومتر من الحدود الإسرائيلية.
وشهدت هذه المنطقة، خلال السنوات الماضية، إقامة بنى تحتية ومواقع إطلاق نار ونقاط مراقبة من قبل مجموعات مسلحة، من بينها ميليشيات موالية لإيران، وفصائل فلسطينية، وحزب الله، تحت غطاء الجيش السوري، وقد استهدفها الجيش الإسرائيلي مراراً على مدى العقد الماضي، وفق ما ذكرته “يديعوت أحرونوت”.
ولفتت إلى أن منع أو تقييد استهداف هذه المواقع القريبة من الحدود سيجعل من الصعب على الجيش الإسرائيلي إزالة التهديدات الناشئة لسكان الجولان.
ولفتت الصحيفة إلى أن وفداً عسكرياً روسياً أجرى قبل نحو ستة أسابيع جولة في الجولان السوري، بما في ذلك بين مواقع الجيش الإسرائيلي، بالتنسيق مع قيادة المنطقة الشمالية.
وبيّنت أنه برزت في الأوساط الإقليمية فكرة نشر قوات روسية في الجولان السوري، وهي خطوة أثارت جدلاً داخل الجيش الإسرائيلي ولم تحظَ بتأييد واسع بين قادته.
وأضافت “يديعوت أحرونوت” أن ضباطاً في الجيش الإسرائيلي ينصحون القيادة السياسية بعدم الانسحاب من الجولان السوري، خصوصاً في ظل تصاعد المخاوف من تسلل جماعي لعناصر مسلحة من الشرق، سواء من الأردن أو من سوريا، في سيناريو يعيد إلى الأذهان أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وأكدت الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي لا يزال متأثراً بشعور الإخفاق الذي رافق هجوم حركة “حماس” على غلاف غزة، ويرى من منظوره أنه لا يوجد مبرر للتخلي عن أراضٍ على أي حدود معادية في المستقبل المنظور.
ونقلت “يديعوت أحرونوت” عن مصادر عسكرية قولها إن “الدفاع عن التجمعات السكانية يكون أسهل عندما تكون القوات متقدمة داخل أراضي العدو، ضمن منطقة عازلة كثيفة”.
ومع ذلك، أشارت إلى أن الجيش يقدّر أنه حتى في حال الانسحاب من مواقع داخل المنطقة العازلة، ستبقى قوات معززة، تقارب ضعف الحجم الحالي، منتشرة على طول حدود الجولان.
وأكدت “يديعوت أحرونوت”، أن الجيش الإسرائيلي سيحتفظ، في جميع السيناريوهات، بالقدرة على استهداف أي تهديد فوري يقترب من الجولان أو يُرصد في محيطه، إلا أن الإشكالية الأساسية تتعلق بمنع تعاظم قدرات الخصوم، وبالنموذج العملياتي الذي سيفرضه أي اتفاق محتمل، سواء عبر ضربات استباقية متكررة ضد البنى التحتية المسلحة.
وفي السابع من كانون الثاني/ يناير الجاري، أصدرت حكومات الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وسوريا، بياناً ثلاثياً مشتركاً، أعلنت فيه نتائج اجتماع رفيع المستوى عُقد في العاصمة الفرنسية باريس برعاية واشنطن.
وذكر البيان الذي نشر على موقع وزارة الخارجية الأميركية الرسمي، أن مسؤولين إسرائيليين وسوريين رفيعي المستوى اجتمعوا برعاية من واشنطن، في إطار جهود تقودها الولايات المتحدة لتعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن “سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المنطقة أتاحت إجراء مناقشات مثمرة، تمحورت حول احترام سيادة سوريا واستقرارها، وأمن إسرائيل، وازدهار البلدين”.
وأوضح البيان أن إسرائيل وسوريا وصلتا، خلال هذا الاجتماع، إلى عدد من التفاهمات المشتركة، أكّد فيها الجانبان مجدداً “التزامهما بالسعي نحو تحقيق ترتيبات أمنية تحفظ الاستقرار لكلا البلدين”.
وبحسب البيان الثلاثي، قرر الطرفان إنشاء آلية تنسيق مشتركة، تتمثل في خلية اتصالات مخصصة، بهدف تسهيل التنسيق الفوري والمستمر في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والمشاركة الديبلوماسية، إضافة إلى بحث الفرص التجارية، وذلك تحت إشراف الولايات المتحدة الأميركية.
وأشار البيان إلى أن هذه الآلية ستعمل كمنصة لمعالجة أي نزاعات بشكل فوري، وللعمل على منع سوء الفهم بين الجانبين، بما يسهم في تعزيز الاستقرار وتخفيف حدة التوتر.
وفي السياق ذاته، أشادت الولايات المتحدة بهذه الخطوات التي وصفتها بالإيجابية، مؤكدة التزامها بدعم تنفيذ هذه التفاهمات، باعتبارها جزءاً من جهود أوسع تهدف إلى تحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط.
واختتم البيان الثلاثي بالتأكيد على أن هذا الإعلان المشترك يعكس روح الاجتماع الذي عُقد في باريس، ويجسد عزم الجانبين الإسرائيلي والسوري على فتح صفحة جديدة في علاقاتهما، بما يخدم مصالح الأجيال القادمة.










