تواجه زيارة وزير العدل في الحكومة السورية الانتقالية إلى الأردن لتعزيز التعاون القضائي والقانوني تحديات كبيرة على الأرض، حيث تبقى مساحات واسعة من الحدود الجنوبية خارج سيطرة الدولة، مع نشاط متواصل لشبكات تهريب المخدرات وعلاقاتها عبر الحدود، ما يجعل ضبط الحدود جزئياً فقط، فيما يثير تولي مسؤولين على الملفات القضائية لهم سجل مرتبط بأنشطة مسلحة أو “إرهابية” إشكاليات جوهرية حول شرعية وقدرة الدولة على إدارة هذه الملفات بفاعلية، وفي الوقت ذاته يعكس الوضع السياسي والأمني المعقد في الجنوب هشاشة السيطرة الداخلية، ويدعو إلى ترتيب البيت الداخلي وبناء شرعية حقيقية بين السكان والفصائل المحلية لضمان نجاح أي تعاون قانوني أو قضائي مستدام مع الأردن والدول المجاورة.
ووصل وزير العدل الدكتور مظهر الويس إلى العاصمة الأردنية عمّان صباح الأحد الماضي، برفقة وفد رسمي من القضاة والمستشارين، في زيارة رسمية تهدف إلى تعزيز التعاون القانوني والقضائي بين الجمهورية العربية السورية والمملكة الأردنية الهاشمية. تأتي الزيارة في إطار عقد ورش عمل قانونية مشتركة، ولقاءات تنسيقية مع وزير العدل الأردني الدكتور بسام التلهوني، بالتعاون مع المجلس القضائي والمعهد القضائي الأردنيَين، بما يسهم في تبادل الخبرات ورفع كفاءة المؤسسات العدلية في البلدين.
وقال الويس: “الدولة السورية تمضي في بناء مؤسساتها على أسس العدالة وسيادة القانون، مشيراً إلى تطلع سوريا لرفع مستوى التنسيق القانوني والقضائي مع الأردن، ولا سيما في مجالات مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة والجرائم العابرة للحدود. ولفت إلى أن هذه الزيارة تهدف إلى “تعزيز عودة سوريا إلى محيطها العربي والإقليمي، والتأكيد على أن سوريا باتت دولة تعلي من شأن القانون، مثمناً ما لمسه من حرص أردني على دعم التعاون المشترك وتقديم العون عبر تبادل الخبرات في المجالات العدلية والقانونية”.
اقرأ أيضاً: الجيش الأردني يشن غارات جوية في ريف السويداء – 963+
مكافحة تهريب المخدرات والحدود السورية الأردنية
تثير جهود التعاون القضائي بين دمشق وعمّان أسئلة حول فعالية ضبط الحدود السورية الأردنية، خصوصاً في ظل المناطق غير الخاضعة لسيطرة الدولة والمشاكل الأمنية في الجنوب السوري.
يقول الخبير في الشؤون العسكرية والقانون الدولي أكرم سريوي لـ”963+”: “مسألة مكافحة تهريب المخدرات بين سوريا والأردن تُعد معضلة حقيقية، في ظل غياب سيطرة الحكومة السورية على كامل خط الحدود المشتركة التي تمتد لنحو 370 كيلومتراً، معظمها مناطق وعرة تتخللها أودية تشكّل معابر مناسبة للتسلل والتهريب”.
ويضيف: “جماعات التهريب متجذّرة في تلك المناطق منذ سنوات”، مشيراً إلى أنها “كانت تحظى في فترات سابقة بغطاء وحماية من الجيش والقوى الأمنية التابعة للنظام السابق، قبل أن يتوسع نشاطها خلال سنوات الحرب وتتحول إلى جماعات مسلحة سيطرت على مناطق حدودية واسعة داخل الأراضي السورية، وتعاونت مع شبكات تهريب داخل الأردن”.
ويشير سريوي إلى أن “قوات الأمن العام التابعة للحكومة السورية الانتقالية موجودة حالياً في الجنوب السوري، وإن كان وجودها غير كافٍ، لافتاً إلى أنها تسيطر على المعابر الشرعية الرئيسية، ولا سيما معبري نصيب والرمثا، وعلى أكثر من 65% من إجمالي الحدود المشتركة مع الأردن”.
ويلفت إلى أن المناطق الخارجة عن سيطرة الأمن العام تتركز على حدود محافظة السويداء مع الأردن، إضافة إلى منطقة التنف، “ما يجعلها منافذ نشطة للمهربين، في مقابل تكثيف الجيش الأردني نشاطه هناك وملاحقته للمهربين داخل الأراضي السورية، وتنفيذه عدة عمليات قصف جوي”.
ويؤكد سريوي: “تعزيز التعاون بين الأردن والحكومة السورية يبقى أمراً مهماً وفعالاً لتقييد حركة المهربين وملاحقتهم، مشدداً على أن العمل الأمني الاستقصائي والمخابراتي هو الأكثر فاعلية في تفكيك شبكات التهريب”.
ويحذّر من “تعدد المخاطر الأمنية في الجنوب السوري نتيجة ضعف سيطرة قوات الأمن، ووجود بؤر خارجة عن نفوذ القوى الشرعية، وانتشار تجارة السلاح بكميات كبيرة، إلى جانب حالة عدم الاستقرار والمساحات الشاسعة التي تشكّل ملاذاً آمناً لشبكات التهريب”.
ويضيف: أن “فرض إسرائيل منطقة حظر على انتشار القوات السورية في الجنوب، ومنع استخدام الطائرات والمروحيات والأسلحة الثقيلة، يحدّ بشكل كبير من قدرة الجيش السوري على ملاحقة المهربين وتنفيذ دوريات فعالة على طول الحدود”.
ويشدد سريوي على أن التنسيق القضائي وحده لا يكفي ما لم يقترن بالقدرة الفعلية على ملاحقة المخالفين وتوقيفهم ومحاسبتهم، داعياً الحكومة السورية إلى معالجة ملف السويداء وبسط سلطة الدولة فيها، وطمأنة السكان، بما يضمن أمن الحدود الجنوبية والجنوبية الشرقية.
ويختم سريوي بالقول إن “ضبط الحدود السورية الأردنية بشكل كامل يُعد أمراً بالغ الصعوبة حتى في حال انتشار الجيش السوري في الجنوب، نظراً لطول الحدود وحاجتها إلى ثلاث إلى خمس فرق عسكرية لتأمينها بالكامل”.
ويؤكد أن “الدول في مثل هذه الحالات تلجأ إلى تعزيز التنسيق الحدودي، وتكثيف الإجراءات الداخلية لمكافحة زراعة المخدرات وتصنيعها وترويجها، باعتبار أن التهريب هو حلقة ضمن سلسلة تبدأ من المصدر وتنتهي بالتجار داخل الدول المعنية”.
ويدعو إلى “اعتماد مقاربة شاملة تشمل حملات توعية، وتعزيز العمل الاستخباراتي، وتشديد العقوبات، وتطوير التعاون الأمني، والاستعانة بوسائل حديثة لمراقبة الحدود، ولا سيما الطائرات المسيّرة، خاصة في المناطق الوعرة والجبلية”.
اقرأ أيضاً: اشتباكات بين الجيش الأردني ومهربين على الحدود مع سوريا – 963+
السياق السياسي والأمني للجنوب السوري
تشكل محافظة السويداء والمناطق الحدودية مع الأردن حالة معقدة من حيث الأوضاع الأمنية والسياسية، ما يثير علامات استفهام حول أهداف التعاون القضائي ومكافحة التهريب.
يقول الأكاديمي والباحث السياسي فايز قنطار لـ”963+”: “أي تعاون أو تنسيق مع الأردن، أو مع أي دولة عربية ولا سيما دول الجوار، يُعد موضع ترحيب من حيث المبدأ، إلا أن التوقيت والسياق السياسي المحيطين بهذا التنسيق يثيران تساؤلات جدية”.
ويضيف: “الفترة الأخيرة شهدت حملة غير مسبوقة من سلطة دمشق لاتهام محافظة السويداء بالضلوع في تهريب المخدرات”، معتبراً أن هذا الخطاب يحمل رسائل سياسية واضحة، خصوصاً في ظل تركيز إعلامي مكثف على السويداء.
ويشير قنطار إلى أن العملية الأردنية الأخيرة “أظهرت أن المشاركين في تهريب المخدرات ينتمون إلى عشائر بدوية حليفة للسلطة، وهو ما لم تشر إليه السلطات السورية على الإطلاق، في حين وُجهت الاتهامات إلى أطراف أخرى”.
ويضيف قنطار: “القصف الأردني الذي استهدف مستودعات ومراكز يُشتبه بارتباطها بتهريب المخدرات طال بلدة الكِف، التي أكد أنها لا تمت بصلة، لا من قريب ولا من بعيد، إلى تجارة المخدرات أو السلاح”، مشيراً إلى توثيق يثبت أن المواقع المستهدفة مدنية، وداعياً الجانب الأردني إلى معاينتها ميدانياً.
ويلفت إلى أن استهداف هذه البلدة، القريبة من السويداء، يطرح علامات استفهام حول دوافع القصف، في حين أن باقي الأهداف التي ضربها الأردن كانت في قرى بدوية معروفة تاريخياً بدورها في تهريب المخدرات نحو الأردن”.
ويكمل قنطار: “الأوضاع الأمنية المعقدة في الجنوب السوري وصعوبة فرض السيطرة تجعل من ضبط الحدود مسألة بالغة التعقيد، وتستدعي تنسيقاً أوسع لا يقتصر على سلطة دمشق، بل يشمل أيضاً فصائل السويداء التي تملك نفوذاً ميدانياً ولها مصلحة مباشرة في حماية الحدود وضبط التهريب وتعزيز الأمن والاستقرار”.
وينتقد قنطار ما وصفه بسعي الحكومة السورية الانتقالية إلى “كسب ود الخارج على حساب الداخل”، مؤكداً أن “مصدر القوة الحقيقي لأي سلطة هو اكتساب الشرعية الداخلية”.
ويعتبر أن غياب هذه الشرعية يحدّ من قدرة الحكومة على بناء تعاون أو تنسيق فعّال ومستدام مع الدول المجاورة على المديين المتوسط والبعيد.
ويختم قنطار بالقول: “على الحكومة السورية التركيز على ترتيب البيت الداخلي أولاً، عبر اعتماد لغة الحوار، وبناء عقد اجتماعي جديد بين السوريين”، مشدداً على أن استخدام القوة في ظل تعدد الفصائل المسلحة لن يقود إلى حلول حقيقية، بل يزيد من تعقيد المشهد.
كما يشير إلى “غياب لغة المشاركة والاستفراد بالسلطة، وما لذلك من انعكاسات سلبية على الوضع الأمني والاجتماعي والديني في الجنوب، وعلى العلاقات مع الأردن ودول الخليج”.
ويشدد قنطار على أن ملف التنسيق القضائي “يفقد جدواه في ظل سيطرة شخصيات غير مؤهلة قانونياً وقضائياً على وزارة العدل”، معتبراً أن “القضية أكثر تعقيداً مما يُطرح في الخطاب الرسمي”.










