تتفاقم الأوضاع الإنسانية في مدينة حلب شمالي سوريا مع استمرار التصعيد العسكري في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، حيث تتواصل الاشتباكات والقصف المتبادل بين قوات وزارة الدفاع التابعة للحكومة السورية الانتقالية وقوى الأمن الداخلي “الأسايش”، مخلفةً عشرات القتلى والجرحى، غالبيتهم من المدنيين، في مشهد يعيد إلى الواجهة هشاشة الاستقرار في المدينة ومعاناة سكانها بعد سنوات طويلة من الحرب.
وتجاوز عدد القتلى والجرحى حاجز الـ80 شخصاً جراء القصف والاشتباكات التي شملت استخدام المسيرات والصواريخ والقذائف، ما أدى إلى إغلاق كامل للطرق المؤدية إلى الحيين، وترافق ذلك مع حركة نزوح ملحوظة للسكان بحثاً عن مناطق أكثر أمناً، وسط مخاوف متزايدة من تفاقم الوضع الإنساني مع استمرار الحصار وصعوبة وصول الإسعاف والمساعدات الطبية.
اقرأ أيضاً: تصعيد متواصل في الشيخ مقصود والأشرفية يرفع حصيلة الضحايا المدنيين – 963+
دعوات أممية ودولية لخفض التصعيد
دعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر جميع الجهات الفاعلة في حلب لاتخاذ التدابير اللازمة لحماية السكان.
وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه البالغ إزاء التقارير الواردة حول سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، داعياً جميع الأطراف إلى خفض التصعيد وضبط النفس وحماية المدنيين. وأكد المتحدث باسمه أن المنظمة الدولية تشجع الأطراف على الانخراط في حوار يهدف إلى تهدئة التوتر وضمان الاستقرار.
كما دعت المبعوثة البريطانية إلى سوريا آنا سنو إلى وقف التصعيد العسكري، معربةً عن قلق لندن من سقوط ضحايا مدنيين وحركة النزوح المتزايدة، ومشددةً على أن إحلال الاستقرار في سوريا يمثل أولوية، ولا يمكن تحقيقه دون حماية المدنيين وفتح قنوات الحوار.
وفي السياق ذاته، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن واشنطن تراقب الوضع في حلب عن كثب، وتحث جميع الأطراف على ضبط النفس، مؤكداً أن التركيز يجب أن ينصب على بناء سوريا سلمية ومستقرة تخدم مصالح جميع السوريين.
اقرأ أيضاً: مصدر يتحدث عن مفاوضات.. “الأسايش”: فشل محاولات التهدئة في حلب – 963+
مواقف إقليمية وتحذيرات من تداعيات أوسع
إقليمياً، أعرب رئيس حكومة إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني عن قلقه العميق من استهداف الكرد في مدينة حلب، محذراً من مخاطر الحرب والعنف ومحاولات التغيير الديموغرافي التي تهدد حياة المدنيين، وداعياً جميع الأطراف إلى حماية السكان واللجوء إلى الحوار.
كما عبّر رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل جلال طالباني عن أمله في أن تتحلى جميع الأطراف بالحكمة وضبط النفس، دعماً لكل الجهود الرامية إلى تهدئة الأوضاع ومعالجة الخلافات بالطرق السلمية.
في المقابل، أثارت تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر جدلاً واسعاً، إذ وصف الهجمات ضد الأحياء الكردية في حلب بأنها “خطيرة ومميتة”، محذراً من أن صمت المجتمع الدولي قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد والعنف.
بدورها، اعتبرت وزارة الدفاع التركية أن أمن سوريا من أمنها، في حين قالت وزارة الدفاع السورية إنها ستنشر مواقع سيتم استهدافها في حيي الشيخ مقصود والأشرفية.
اقرأ أيضاً: بريطانيا تدعو لوقف التصعيد شمالي سوريا – 963+
قلق محلي وتحذيرات من انتهاكات بحق المدنيين
وذكرت الرئيسة المشاركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد، اليوم الخميس، بأنهم يتواصلون مع واشنطن وباريس وأنقرة بشأن التطورات في حلب.
وكانت قد شددت أحمد في وقت سابق، على أن التصعيد العسكري في أحياء مكتظة بالمدنيين “يعيد السوريين إلى دوامة الحرب”، داعيةً دمشق إلى تحمّل مسؤولياتها واللجوء إلى الحوار والعقلانية، مؤكدةً أن السوريين دفعوا ثمناً باهظاً للحروب المتتالية، وأن حماية المدنيين يجب أن تبقى أولوية قصوى.
الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا أدانت التصعيد العسكري، معربةً عن بالغ قلقها إزاء الحصار المفروض على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية وما يرافقه من انتهاكات جسيمة بحق المدنيين. واعتبرت في بيان رسمي أن ما يجري يمثل انتهاكاً صارخاً للقوانين والأعراف الإنسانية، ويمس بشكل مباشر أمن المدنيين وكرامتهم وحقهم في العيش الآمن.
وحذّرت الإدارة الذاتية من أن استمرار الحصار والتصعيد العسكري “يعمّق الانقسام الداخلي ويشتت القوى الوطنية السورية”، مشيرةً إلى أن هذه الممارسات تقوض فرص الوصول إلى حلول سياسية شاملة ومستدامة، وتغذي حالة عدم الاستقرار في عموم البلاد، كما نبّهت إلى خطورة خطاب الكراهية والتمييز وتأثيره المدمر على النسيج الاجتماعي السوري.
كما حذّر المجلس الوطني الكردي من تفاقم الوضع الإنساني والأمني، داعياً إلى وقف فوري للعمليات العسكرية وفك الحصار والسماح بدخول المساعدات الإنسانية والطبية.
وأكد المجلس أن تصنيف الحيين كمناطق عسكرية والدعوة إلى إخلائهما من المدنيين ينذر بعواقب خطيرة، قد تمتد آثارها إلى مناطق سورية أخرى، داعياً إلى إطلاق عملية سياسية شاملة تضمن حقوق جميع المكونات السورية.
ومع تصاعد المخاطر، أعلنت محافظة حلب تمديد تعليق الدوام في المدارس والجامعات ليوم إضافي، وترك قرار استئناف العمل في باقي المؤسسات الحكومية لتقدير المسؤولين. كما أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني تمديد تعليق الرحلات الجوية من وإلى مطار حلب الدولي، في إجراء وصفته بالاحترازي والمؤقت، مع تحويل الرحلات إلى مطار دمشق.
وبينما تتواصل الدعوات الدولية والمحلية للتهدئة، يبقى المدنيون في حلب الحلقة الأضعف، في انتظار خطوات عملية تضع حداً للتصعيد وتفتح نافذة أمل نحو الاستقرار، في مدينة لم تلتقط أنفاسها بعد من آثار حرب طويلة أنهكت سكانها وبنيتها الاجتماعية.










