لم تعد معركة النفوذ في سوريا ما بعد 2024 تُختزل في سؤال “من يربح” بقدر ما تُقاس بـ”من يقرر”. يحتشد المندوبون السامون في دمشق: يتفاوضون على الأمن والسماء والأرض والعقوبات والحدود، لتُنتج ترتيبات فوقية تفكك السيادة الوطنية، بعيداً عن أي تفويض سوري! وبذلك تتعمق الجروح السورية النازفة حتى العظم.. والنتيجة ليست “انتداباً” رسمياً، بل أسوأ بكثير، وصاية دون حقوق ولا مرجعية ولا مسؤولية.
فيما لا يحاول باراك إخفاء هدفه “المتواضع” بـ”إعادة تشكيل سايكس بيكو”، فإنه يكرر ما فعله “برامر” في العراق ليدير حالة استقرار “هش” لتحقيق المصالح الغربية الأمنية مقابل نافذة حل اقتصادي موعود. وبدورها تحاول روسيا استعادة دور “وسيط القوة”، لا بوصفها راعياً لإعادة الإعمار، بل بوصفها ضامناً أمنياً ضرورياً للفصل بين إسرائيل وتركيا. حيث تجري زيارة موسكو في توقيت حساس يعكس رغبتها في العودة كوسيط قوة عسكرية للساحة السورية وتثبيت حضورها السياسي من جديد.
لتبرز مفارقة جوهرية طريفة: إذ تضغط إسرائيل نفسها، بحسب رويترز، على واشنطن كي تسمح ببقاء القواعد الروسية في سوريا، فيما يتوافق الطرفان الروسي والإسرائيلي على إدارة “سوريا الضعيفة” كخيار يضمن الحد من النفوذ التركي. يضع هذا الموقف الإسرائيلي الولايات المتحدة أمام معضلة: منافسها الروسي يُعاد تدويره في سوريا بطلب من حليفها الأوثق، بعد أن أصبحت “تركيا وسوريا الجديدة” في المفهوم الإسرائيلي في مرتبة أخطر من روسيا وقواعدها.
يظهر هنا نموذج “المندوب السامي الجديد”: طرف خارجي يفاوض على مستقبل سوريا مع أطراف أخرى، فيما السوريون منقسمون وغير قادرين على فرض رأي وطني واحد. في هذه اللعبة، لا تحتاج موسكو نصراً كاملاً؛ يكفيها أن تعود لتكون النقطة الإلزامية لتقاطع الحلول على خط الجنوب، وأن تُقدّم نفسها كعازل بين قوى تتحرك برعاية تركيا، في لعبة تحدد إسرائيل قواعدها.
ذلك أنه، إذا كانت واشنطن وموسكو تتنازعان حق “إدارة الاستقرار”، فإن إسرائيل وتركيا تتنازعان شكل الدولة السورية المسموح بقيامها. إذ تُعلن تركيا بوضوح أنها تدرّب وتساند القوات السورية وتحسّن دفاعاتها، ولا تخطط للانسحاب منها قريباً، فإن ذلك يعني أنها تريد شريكاً عسكرياً سورياً يتقاطع مع أولوياتها.
وبالمقابل ترى إسرائيل في هذا التمدد خطراً استراتيجياً مزدوجاً: اقتراب قوة إقليمية كبيرة من حدودها، وإعادة بناء جيش سوري بغطاء تركي، واحتمال تغيّر معادلة المجال الجوي في سوريا. ولا يغير في هذا الأمر وجود “محادثات تقنية” لتفادي الصدام، لكن الاحتكاك مستمر! فبعد أن قصفت إسرائيل قواعد سورية كانت تركيا “تستكشفها” لنشر قواتها، انتقل الصراع على البنية العسكرية المستقبلية لسوريا إلى السماء أيضاً.
والأبعد من ذلك، أن إسرائيل تسعى مؤخراً لتصبح وسيط القوة الرئيسي بين السوريين، بما فيهم الحكومة السورية. وفيما يتهم وزير الخارجية التركي فيدان “قسد” بالتنسيق مع إسرائيل ويلوح بإجراءات ضدها، فإنه لا يعترض على محادثات السلام مع إسرائيل. وبالمقابل، لم يعين نتنياهو بديلاً لرون ديرمر بعد استقالته من ملف التفاوض مع دمشق، الأمر الذي يؤكد أن هذا “الفراغ” التفاوضي ليس تفصيلاً إدارياً إسرائيلياً، بل يعني بوضوح أن الدائرة الأمنية الأخص لنتنياهو هي التي تدير المفاوضات “الواعدة” الراهنة.
في هذا المناخ، لا يصبح الخطر على وحدة سوريا مجرد كلام في الجرائد، بل يتفاقم كل لحظة، مع تصلّب الحدود الوظيفية لصراع المندوبين الساميين. وكما تعلمنا التجارب في العراق وأفغانستان وليبيا، وأمام اللعبة السورية المعقدة، بدأت ملامح الملل تدب في الأوساط الأميركية. وكما فعلت في العراق وليبيا، ستتمسك أميركا بمواقعها الموثوقة، ثم تترك مخلفاتها وتمضي، وتترك للمندوبين الساميين الإقليميين تصفية الحساب في الجسد السوري النحيل.
أما كيفية درء هذه المخاطر واسترجاع سيادة السوريين على مصيرهم وقضيتهم، فتلك وصفة صار يعرفها الجميع، إلا من أعماه غرور القوة والانتقام. إنها الدولة المدنية الديمقراطية اللامركزية، التي تسمح بتعافي الوطن السوري، وتعيد للسوريين ملكية قضيتهم.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










