في ظل تصاعد الحديث الإسرائيلي عن ترتيبات أمنية جديدة على الحدود الجنوبية للبنان، تتقاطع المسارات السياسية والعسكرية والقانونية عند نقطة واحدة: مستقبل جنوب الليطاني، وما إذا كان لبنان مقبلاً على تثبيت تهدئة قائمة على قرارات دولية، أم على محاولة فرض وقائع ميدانية جديدة تحت عناوين أمنية واقتصادية. وبين تأكيدات رسمية لبنانية حول التقدم في خطة حصر السلاح، وتحذيرات من سيناريوهات تصعيد، تتوزع القراءات بين الأمن والسياسة والقانون الدولي.
الواقع الأمني جنوب الليطاني وإشكالية “الفراغ”
في مقاربة المشهد الأمني، يقول العميد ناجي ملاعب، الباحث في الشؤون الأمنية، لـ”963+” إن “الجيش اللبناني هو جيش دفاعي بطبيعته ولم يُبنَ تاريخياً كقوة هجومية، وإمكاناته مخصصة للدفاع عن الأرض، وهناك قرار سياسي واضح من رئاسة الجمهورية يقضي بالتصدي لأي توغل إسرائيلي مهما كانت القدرات المتاحة”.
ويضيف أن “الحديث عن فراغ أمني لا يرتبط بانتشار الجيش اللبناني، فالجيش لم يكن يوماً سبباً لفراغ من هذا النوع، بل إن الفراغ الأمني نتج عن تراجع قدرات حزب الله، ولا سيما بعد الإعلان عن اكتشاف عشرات الأنفاق ومصادرة كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، وهو ما أدى عملياً إلى تغير موازين السيطرة الميدانية”.
وفي السياق نفسه، يرى حسين الديك، أستاذ العلاقات الدولية والخبير في الشأن الإسرائيلي، في تصريحات لـ”963+” أن “الجبهة الشمالية لإسرائيل ما زالت مفتوحة، في ظل عدم عودة المستوطنين الإسرائيليين إلى مناطقهم، خصوصاً في كريات شمونة”، معتبراً أن هذا الواقع يبقي احتمالات التصعيد قائمة. ويشير إلى أن “الرأي العام الإسرائيلي جرى تهيئته لمواجهة عسكرية مقبلة مع لبنان وإيران”.
من زاوية قانونية، يشدد الدكتور محمد حسام حافظ الأكاديمي والمحامي والديبلوماسي السابق، على أن “قرارات مجلس الأمن تنص بوضوح على احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه، وتحصر الترتيبات الأمنية في جنوب نهر الليطاني بالجيش اللبناني وقوات اليونيفيل”.
ويؤكد لـ”963+” أن “أي وجود أو ترتيبات أمنية أو إدارية خارج هذا الإطار تُعد خرقاً مباشراً للقرار الدولي”.
الترتيبات الإسرائيلية والمنطقة العازلة المحتملة
حول الطروحات الإسرائيلية المتعلقة بإقامة مناطق أمنية، يقول ملاعب إن “المنطقة تدخل مرحلة تطبيق لاستراتيجية عسكرية إسرائيلية قائمة على الدفاع من خارج الحدود منذ عام 2006، بدعم من استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي تضع أمن إسرائيل في صدارة الأولويات”، مضيفاً أن “هذا النهج يتجسد في إقامة مناطق أمنية، كما هو الحال في سوريا وشرق غزة والضفة الغربية، وقد يمتد إلى جنوب لبنان”.
ويحذّر من أن “الطروحات المتعلقة بوجود قوى غير تابعة للأمم المتحدة في الجنوب اللبناني، تعمل بالتنسيق مع الجيش اللبناني وتحت قيادة خارجية برضا إسرائيلي، تشكل تطوراً خطيراً”.
من جهته، يقول الديك إن “نتنياهو قد يعرض على ترامب استئناف العمليات العسكرية في جنوب لبنان، بما في ذلك تنفيذ ضربات واسعة قد تؤدي إلى خسائر بشرية”، لافتاً إلى أن هذه العمليات قد “تهدف إلى إقامة حزام أمني واسع في جنوب لبنان يكون بمثابة منطقة عسكرية مغلقة تفصل بين لبنان وإسرائيل”.
ويضيف أن “إسرائيل قد تسعى إلى فرض نموذج أمني طويل الأمد في جنوب لبنان يشبه ما يجري في قطاع غزة”، مشيراً إلى أن “إسرائيل تسيطر حالياً على ما بين 54 و60 في المئة من مساحة قطاع غزة”.
في المقابل، يؤكد حافظ أن “أي طرح لإنشاء منطقة عازلة أو منطقة اقتصادية خاصة في جنوب لبنان لا ينسجم مطلقاً مع قرارات مجلس الأمن الدولي، ولا سيما القرار 1701، ويشكّل انتهاكاً صريحاً لسيادة الدولة اللبنانية”.
ويضيف أن “مجلس الأمن لم يمنح إسرائيل في أي قرار صلاحية فرض وقائع أمنية أو عسكرية أو إدارية داخل الأراضي اللبنانية”، وأن “فرض منطقة عازلة أو محمية أمنية أو اقتصادية، مهما كان توصيفها، يُعد إجراءً قسرياً من طرف خارجي معتدٍ”.
الدور الأميركي واحتمالات “الضوء الأخضر”
عن البعد الأميركي، يقول ملاعب إن “تصريحات المبعوث الأميركي، التي أقر فيها بعدم قدرة إسرائيل على القضاء على سلاح حزب الله، تشكل بمثابة ضوء أخضر للسلطة اللبنانية لمتابعة خطتها، من دون نية للاصطدام مع الحزب”، موضحاً أن “السلطة اللبنانية لا تتجه إلى نزع السلاح بالقوة، بل تعتمد استراتيجية حصر السلاح بشكل تدريجي، وصولاً إلى الاستحواذ عليه”.
في المقابل، يرى الديك أن “اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يشهد مقايضة واسعة للملفات الإقليمية، تقوم على التهدئة في كل من قطاع غزة وسوريا مقابل تصعيد أو عمل عسكري في لبنان وإيران”.
ويضيف أن “ترامب سيطرح مطالب كبيرة خلال اللقاء”، وقد “تُقابل هذه التفاهمات بمنح نتنياهو ضوءاً أخضر للتحرك عسكرياً في الساحتين اللبنانية والإيرانية”.
ويعتبر أن “السياسة الأميركية في المنطقة تركز بالدرجة الأولى على المصالح الإسرائيلية والأميركية”، وأن “لبنان لا يشكل أولوية مركزية في المصالح الأميركية”.
من جانبه، يشدد حافظ على أن “أي ضوء أخضر أميركي لعمل عسكري إسرائيلي لا قيمة له من الناحية القانونية الدولية”، موضحاً أن “الإرادة المنفردة لأي دولة، بما فيها الولايات المتحدة، لا يمكن أن تشكل بديلاً عن قواعد القانون الدولي”، وأن “مفهوم الضربات الاستباقية مرفوض قانونياً”.
المدنيون والسيادة والنتائج القانونية
في ما يتعلق بتداعيات أي ترتيبات أمنية على السكان، يقول ملاعب إن “مطلب حزب الله الأساسي يتمثل بانسحاب إسرائيلي متزامن مقابل خطوات تدريجية في ملف السلاح”، مشيراً إلى حساسية أي خطوات تمس الواقع الميداني في الجنوب.
كما يلفت إلى أن “تأجيل مؤتمر دعم الجيش اللبناني من مطلع كانون الثاني إلى شباط المقبل يعكس انتظار الدول الداعمة لنتائج عملية ملموسة، خصوصاً في ما يتعلق بدور الجيش في حصر السلاح”، مؤكداً أن “لبنان أمام التزامات واضحة يجب تنفيذها في المرحلة المقبلة”.
في المقابل، يقول الديك إن “التصريحات الصادرة عن قيادة حزب الله، ولا سيما رفضها تسليم السلاح أو نزعِه، قد تشكل عاملاً مسرّعاً لعملية عسكرية إسرائيلية بعد فترة الأعياد”، معتبراً أن “الظروف الإقليمية والدولية والمحلية باتت ناضجة لاحتمال مواجهة عسكرية إسرائيلية مع حزب الله”.
أما حافظ، فيشدد على أن “لا أساس قانونياً دولياً يجيز لإسرائيل منع المدنيين من العودة إلى مناطقهم أو تقييد حركتهم”، موضحاً أن “الخط الأخضر لا يشكل حدوداً معترفاً بها دولياً، بل هو إجراء أحادي مرتبط بالإرادة الإسرائيلية فقط”.
ويضيف أن “منع المدنيين من العودة أو فرض قيود عامة على حركتهم يُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي العام والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني”، وقد “يرقى هذا السلوك إلى مستوى العقاب الجماعي أو التهجير القسري المحظورين بموجب اتفاقيات جنيف”.
ويختم بالتأكيد على أن “أي تصعيد عسكري إسرائيلي ضد لبنان سيكون خارج إطار القانون الدولي”.










