نغم قدسية
لم تغب العدالة الانتقالية عن الذكر في اليوم الاستثنائي الذي عاشه السوريون احتفالًا بالذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام الأسد، إذ كانت حاضرة في كلمة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، ضمن الاحتفالية الرسمية في قصر المؤتمرات بدمشق. ولا يبدو المقصود من التطرق إلى العدالة الانتقالية بمثل هذه المناسبة، الحديث عن الماضي، إنما النظر نحو المستقبل من زاوية العدالة الانتقالية، بوصفها ركيزة أساسية للاستقرار الداخلي، ولكونها تركّز على المستقبل لا الماضي فحسب. الأمر الذي يتوافق مع أحد ركائز العدالة الانتقالية الأربعة، ومن بينها ضمانات عدم التكرار، التي تشكّل البعد الاستراتيجي الأهم في بنية العدالة الانتقالية.
ويأتي ذلك ليؤكد من جديد اهتمام الدولة السورية بملف العدالة الانتقالية بوصفها أولى أولويات المرحلة الانتقالية. ثم إبراز مقاطع مصوّرة لتحقيقات علنية مع أحد أبرز المرتبطين بالنظام السابق، ربما تعلن عن بدء تحويل الأقوال إلى أفعال ملموسة. وسبق ذلك صدور الإعلان الدستوري لعام 2025، الذي ثبّت مبدأ عدم تقادم جرائم التعذيب، ورسّخ أبرز ركائز المسار، فيما شهدت الأشهر السابقة إجراءات عملية تضمنت رفع القيود الأمنية واستعادة بعض الحقوق العقارية والتوثيق المنهجي لبعض ملفات المفقودين.
وهو ما يبشر بوجود نهج جدّي لحلّ الملف الأكثر تعقيداً على الإطلاق، إلا أن هذا النهج يبدو وأنه يسير وفق مسارين متوازيين، أحدهما تقوده الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، التي شُكّلَت بمرسوم رئاسي في مايو الماضي، والآخر تتولاه وزارة العدل، ما يثير التساؤلات حول مدى اتساق المسار بين هاتين الجهتَين، واحتمالية التضارب في الصلاحيات، خصوصاً وأن البيئة التشريعية والقانونية لملف العدالة الانتقالية لم تنضج بعد.
ذلك يضع البلاد في صلب التحديات التي تواجه تطبيق العدالة الانتقالية محلياً، وأبرزها الإصلاح المؤسسي الذي يعيد هيكلة القطاعات العامة وعلى رأسها أجهزة القضاء والأمن. وهذا بدوره يبرز الإصلاح التشريعي كضرورة ملحّة للمرحلة الانتقالية وأساس لبدء مسار العدالة الانتقالية. ففي ظلّ غياب قانون العدالة الانتقالية ومع الاعتماد على قانون العقوبات الحالي، الذي لا يراه بعض الحقوقيين ملبياً لمتطلبات المرحلة، تبدو البيئة القانونية غير داعمة لتطبيق الخطوات الأساسية للعدالة الانتقالية ومن ضمنها المحاسبة.
وبناءً عليه، شكّلت الجلسة العلنية الأولى، في نوفمبر الماضي، والتي استضافتها محكمة الجنايات في حلب، لمحاكمة المتهمين بما عُرف بـ”أحداث الساحل”، سابقة تُحتسب، خصوصاً وأنها تضمّنت متّهمين من الطرفين، “متمرّدين” وعناصر تتبع لوزارتي الدفاع والداخلية، بحضور وسائل الإعلام. لكن الثغرات، بحسب تقارير حقوقية، تمثّلت في الإطار القانوني المستخدم، حيث جرت المحاكمة استناداً إلى قانون العقوبات السوري الحالي، الذي تغيب عنه التعريفات والمعايير الخاصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، كما أنه لا يُسقط التقادم. بمعنى أن المحاكمات تجري بأدوات قانونية قديمة لا تلبي متطلبات الأحداث وربما لا تعبّر عن حجم الانتهاكات، الأمر الذي قد يقلل من جسامة الفعل في التقييم القانوني.
وبذلك تبرز الحاجة الملحّة لسن قانون العدالة الانتقالية وتعديل قانون العقوبات ليشكلا معاً الإطار العام التمهيدي للعدالة الانتقالية، بدءاً بكشف الحقيقة، ثم المحاسبة من خلال تحقيقات تستند في عملها إلى تعريف الجرائم وإسناد العقوبات الملائمة لها وفقًا للمعايير الدولية. ما يشير إلى ضرورة إصلاح قانون العقوبات، عبر وضع تعريفات قانونية دقيقة للجرائم التي وقعت في حقبة الأسد، إلى جانب الحاجة لإنشاء محاكم متخصصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وضرورة تحديد آليات تقصي الحقائق ووضع نظام تعويضي لجبر الضرر، وصولاً للمصالحة. وذلك بالمجمل من المتوقع أن يحدده قانون العدالة الانتقالية المنتظر وقانون العقوبات.
وبالنظر إلى عمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، فإن تشكيلها بحد ذاته يأتي من الحاجة لوجود هيئة مستقلة توكل إليها مهام تنفيذ العدالة الانتقالية، لكن في الوقت ذاته، يضع بعض الحقوقيون إشارات استفهام حول مدى استقلالية عمل الهيئة، فيما تبدو النتائج المتوقعة من تشكيلها إلى حد الآن محدودة. وقد يبرَّر ذلك بصعوبة الإحصاء وتوفير الأدلة، وسط الأعداد الكبيرة للضحايا، كما أن طبيعة العمل المعقدّة لا تبشر بحتمية وجود نتائج مباشرة، بل تراكمية، لكن الخوف من أن ينعكس ذلك سلباً على الثقة بالهيئات والمؤسسات الحديثة.
وفي حصيلة العام الأول، تشير المعطيات إلى أن البلاد تسير بمسار صحيح من حيث الشكل والهدف، لكنه يحتاج لتطوير تشريعي كي يتحول إلى مسار تنفيذي شامل.
إلا أنه وفي خضم التحديات الراهنة، تستمرّ الأحداث الداخلية في بعض المناطق بزعزعة السلم الأهلي، ما يعني أن التأخر في تطبيق العدالة الانتقالية ربما يحولها إلى عدالة انتقامية تدفع البعض لانتزاع حقه بيده، الأمر الذي أفرز انتهاكات جديدة وضحايا ومتّهمون جدد، واستمراره يصعّد من الانقسامات المجتمعية كنتيجة حتمية، كما أن التأخر في معالجة الملف بحساسيته وتعقيداته، يزيد من المعاناة الإنسانية التي مازال يعيشها الضحايا وذويهم.
فيما لا تبدو التحديات القانونية أو المؤسساتية وحدها تعيق تطبيق العدالة الانتقالية، بل تحديات اجتماعية أيضًا، وسط غياب الاتفاق على سردية وطنية موحدة تمثل جميع الأطراف، وذلك يلزم إشراك الضحايا بشكل فعليّ لا شكلي، في مجمل إجراءات العدالة الانتقالية.
وفي الوقت الذي لا يبدو فيه تطبيق العدالة الانتقالية في السياق السوري ممكناً بوقت قياسي، يبقى عدم الإفلات من العقاب رادعاً لضبط الواقع الانتقالي المليء بالتحديات وأملاً بألا تتكرر المأساة.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










