مع اقتراب نهاية العام 2025، يقف اتفاق 10 مارس بين الحكومة السورية الانتقالية برئاسة أحمد الشرع وقوات سوريا الديموقراطية “قسد” بقيادة مظلوم عبدي، والذي لاقى ترحيباً إقليمياً ودولياً واسعاً، على مفترق طرق حاسم.
الاتفاق، الذي وقع في مارس الماضي ويهدف إلى دمج الهياكل العسكرية والمدنية لقسد في مؤسسات الدولة السورية، يواجه تحديات كبيرة، وسط تأخيرات في التنفيذ وتوترات ميدانية متزايدة. ومع انتهاء المهلة المحددة بنهاية العام، تبرز سيناريوهات متعددة قد تشكل مستقبل سوريا الجديدة.
التصعيد الأمني ودور المجازر في دفع العملية التفاوضية
لا يمكن قراءة مسار اتّفاق 10 مارس بمعزل عن سياق الأزمات المتلاحقة التي تعصف بسوريا الجديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024. فكل تصعيد كبير في البلاد مثّل المحرك للدفع بعملية التفاوض مع قسد إلى الأمام. اتّفاق 10 مارس تم توقيعه على وقع مجازر الساحل السوري في مارس 2025، وخلال هجوم السويداء في منتصف يوليو، وجدت دمشق نفسها مضطرة إلى تجديد الهدنة مع قسد عبر إعادة احياء اللقاءات التي تواصلت تباعاً.
تبنّت قسد قراءة حذرة للمشهد السوري بعد سقوط نظام الأسد، مراهنة على هشاشة الإدارة السورية بتركيبتها العسكرية ذات الطابع الطائفي والجهادي، وتعتبرها شريكا غير موثوق، خصوصا بعد أن فرض الشرع أمراً واقعاً عبر الإعلان الدستوري وتشكيل الحكومة، بما يخالف روح اتّفاق 10 مارس.
وتسعى قسد إلى تثبيت وضعها الخاص داخل الجيش السوري الجديد، وانتزاع اعتراف دستوري بالحقوق الكردية، والدفع باتجاه الاعتراف بمناطق شمال شرقي سوريا كوحدة سياسية وإدارية ضمن نظام لا مركزي موسّع، مدركة التحدّيات التي تواجهها على المدى المتوسط بفعل اختلال موازين القوى، وازدياد الدعم الأميركي لدمشق، وتغير الحسابات الروسية والإسرائيلية، إضافة إلى التنسيق التركي-الأميركي في ملفات المنطقة وسوريا خصوصاً.
التوازنات السياسية والاستراتيجية التي تواجه الشرع
من وجهة نظر دمشق، تمثل الثغرة الأساسية في اتفاق 10 مارس في أن تنفيذه مرتبط أساساً بالمفاوضات بين الطرفين، وهو ما قيّد قدرتها على التصعيد العسكري لفرض شروطها، لا سيما بعد القبول بوقف إطلاق النار في أبريل تحت ضغط أميركي.
وازدادت معضلة السلطة السورية تعقيداً عقب أحداث السويداء في يوليو، ليجد الشرع نفسه بين خيارين متناقضين: عدم القدرة على تقديم تنازلات سياسية لقسد بسبب رفض قاعدته السياسية وحلفائه الإقليميين، وفي مقدمتهم تركيا؛ وبالمقابل، تراجعت قدرته على المواجهة العسكرية بعد خسارته السياسية في السويداء، وتصاعد التهديدات الإسرائيلية.
ولدعم موقفها ضد قسد، عززت أنقرة تحالفها مع دمشق، ووقعت اتفاقيات عسكرية عدة، وأكّدت على استعدادها لإعادة هيكلة الجيش السوري بدعم أميركي. كما صعدت خطابها ضد قسد محذرة من تقسيم سوريا.
كانت تركيا تأمل أن ينضم الشرع فور وصوله إلى السلطة إلى جهودها للقضاء على قسد. فبالنسبة لأنقرة، تمثل قسد تهديداً لمشاريعها الخاصة بسوريا. ورغم اشتراك الطرفين في هدف تفكيك قسد، إلا أن الشرع يجد نفسه مقيّداً بتوازنات سياسية واستراتيجية معقدة: فهو يحتاج إلى الرضى التركي، لكنّه لا يستطيع تجاهل الدعم الأميركي لقسد أو تداعيات أي تصعيد داخليا، خشية استغلاله من قبل فصائل “الجيش الوطني السوري” المدعومة تركيا لتوسيع نفوذها على حساب الجيش السوري الناشئ.
كما أنّه وبعد أحداث السويداء، لم يعد الشرع واثقاً من موقف إسرائيل تجاه أي حملة سورية-تركية مشتركة ضد قسد، خصوصاً وأن تل أبيب ترفض العودة إلى اتفاق فصل القوات لعام 1974، بذريعة منع تركيا من توسيع حضورها في سوريا. ويخشى الشرع أن تقدم إسرائيل على تنفيذ تهديداتها إذا وسعت أنقرة نفوذها، وهو ما اعترضت عليه تل أبيب ونفّذت ضربات جوية على مواقع عسكرية كانت تركيا تخطط لاستخدامها، ما دفع بأنقرة، وتفادياً للمواجهة، السعي إلى فتح قنوات اتصال عسكرية مع تل أبيب، ما أضعف الموقف السوري.
سيناريوهات مستقبلية
قدّم زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان المسجون في جزيرة إمرالي في إسطنبول خطة لدمج قسد ضمن وزارة الدفاع السورية، تتماشى مع رؤية قسد للامركزية في سوريا، مع اقتراب موعد انتهاء اتفاق 10 مارس في 31 ديسمبر. وتدعو خطة أوجلان، التي تتوافق مع طروحات عبدي، إلى انضمام قسد إلى الجيش السوري مع الاحتفاظ بهياكلها.
تمتلك الحكومة السورية وقسد مواقف متعارضة فيما يتعلق بمسألة المركزية، ويهدد هذا الخلاف باندلاع صراع متجدد إذا لم يتوصل الطرفان إلى حل وسط.
بالنسبة لدمشق، فإن السيطرة على الرقة ودير الزور تمثل أحد المراحل النهائية لإحكام الشرع لسلطته؛ فهي من جهة تضمن السيطرة على الموارد الاقتصادية مثل النفط والغاز والأراضي والمياه، ومن جهة أخرى تقلل من احتمال اللامركزية المستقبلية في سوريا، وهو احتمال مرتفع حاليا مع وجود قسد والدروز. أما بالنسبة لقسد، فإن خسارة الرقة ودير الزور قد تعني نهاية أو إضعاف مشروعها اللا مركزي.
تهتم إدارة الشرع بإرساء نظامها السياسي في أسرع وقت ممكن، وتتوافق هذه الرغبة مع مصالح بعض القوى الكبرى في العالم والمنطقة في العالم. فالمصالحة بين قسد ودمشق ليست مهمة سهلة، لكنها رغبة أمريكية-إقليمية.
أميركيّاً، يمثّل أحمد الشرع فرصة غير مسبوقة للتعاون، كما أن وجود قسد قد يكون مفيدا لموازنة القوة في دمشق مستقبلا.
تتعامل الولايات المتحدة مع الأطراف المختلفة في شمال وشرق سوريا بناء على وظائفها: قسد كمحور عملي لاحتواء الحركات المتطرّفة، والجماعات المدعومة من تركيا للحد من توسّع قسد لعدم استفزاز أنقرة، وحكومة الشرع كمظلة سياسية شرعية لرؤيتها الاستراتيجية للمنطقة وخصوصاً العلاقة مع إسرائيل.
بالنسبة لدول الخليج، استقرار سوريا يعني تعزيز دورها الإقليمي، وقد يكون ذلك مفيدا في موازنة القوى مع تركيا وإسرائيل وإيران. لذلك، من المرجح أن تشجع هذه الدول على المصالحة بين الطرفين.
في الأيام الأخيرة، لوحظ تصعيد مزدوج ضد قسد. ففي 6 ديسمبر، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن قسد “ليس لديها نية” للالتزام بالاتفاقية وحذر من أن أنقرة ستتخذ إجراء عسكريا إذا لم تمتثل المجموعة بحلول نهاية العام.
وفي اليوم التالي، أصدر وزير الإعلام السوري حمزة مصطفى تحذيرا آخر لقسد، ملمحا إلى احتمال تخلي الولايات المتحدة عن المجموعة.
في ظل هذه المعطيات يهيمن على ملف دمشق-قسد 4 سيناريوهات تبدأ بالأكثر إيجابية وصولاً إلى الأكثر سواداً.
السيناريو الأول: يتصوّر اتفاقا شاملا يتيح للأكراد والمكوّنات السورية الأخرى المشاركة في صياغة الدستور وتقاسم السلطة، لكنه مستبعد بسبب التباينات العميقة والتنافس الإقليمي.
السيناريو الثاني: خطوات تدريجية محدودة تنفيذ بنود جزئية، مثل زيادة تصدير النفط، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتسليم مخيم الهول والبوابات الحدودية تدريجيا للحكومة. وهو سيناريو واقعي نسبيا بدعم أميركي.
السيناريو الثالث: بقاء الوضع الراهن واستمرار الجمود مع إدارة التوتر دون حسم، في انتظار تفاهمات أوسع، خصوصا بين قسد وأنقرة ودمشق وتل أبيب.
السيناريو الرابع: التصعيد والانهيار وعودة المواجهات العسكرية، مع احتمال عملية سورية-تركية مشتركة ضد قسد وهو الأقل ترجيحاً؟
ويشمل السيناريو الأكثر إيجابية التنفيذ التدريجي لبنود الاتفاق، وصولا لدمج قوات قسد في الجيش السوري، عبر التوصل إلى حل وسط حول شكل من أشكال اللامركزية السياسية. فسوريا ما بعد الأسد معقدة ومتعددة الفاعلين بحيث لا تسمح بظهور “سوريا الشرع”، ولا تلبي كل مطالب قسد.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










