تعيش سوريا في نهاية عام 2025 مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الرغبة في عودة اللاجئين مع واقع ميداني واقتصادي متداعٍ، حيث تحاول الإدارة السورية الانتقالية المضي في تنفيذ خطتها للعودة الطوعية، في وقت لا تزال فيه البلاد تعاني من دمار واسع في بناها التحتية وغياب شبه كامل لبرامج إعادة الإعمار الشاملة.
ورغم الطابع الإنساني والسياسي العميق لملف العودة، إلا أن التحديات المرافقة له تكشف فجوة واضحة بين الطموح والإمكانات، وبين الرغبة في الاستقرار والقدرة على تحقيقه مادياً وأمنياً.
عودة بلا بنية وبلد ينهض من تحت الركام
أطلقت الإدارة الانتقالية في مطلع عام 2025 خطة وطنية للعودة الطوعية والمنظمة بالتعاون مع الأمم المتحدة وعدد من الشركاء الدوليين، استهدفت مئات آلاف اللاجئين السوريين في دول الجوار، ولا سيما تركيا ولبنان.
وبحسب الإحصاءات الرسمية، عاد منذ نهاية 2024 أكثر من مليون سوري، بينهم نحو 550 ألفاً من تركيا. إلا أن هذه الأرقام تواجه واقعاً قاسياً على الأرض، يتمثل في دمار شامل في البنية التحتية وانهيار الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصحة وتعليم.
ويقول الخبير القانوني في شؤون الهجرة واللجوء أحمد سعدون، في تصريحات لـ”963+” إن الحديث عن عودة طوعية في ظل هذه الظروف “من الصعب تحقيقه حالياً”، موضحاً أن الظروف الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في سوريا لا تسمح بعودة آمنة وكريمة.
ويضيف سعدون أن “اللاجئ الذي عاش في دول مثل ألمانيا أو بريطانيا أو السويد وتمكن من الاندماج هناك، من الصعب أن يعود إلى بيئة تفتقر إلى الاستقرار والخدمات”، مشيراً إلى أن إعادة اللاجئين في هذه الظروف قد تخلق آثاراً سلبية وتؤدي إلى مشكلات اجتماعية وانحرافات سلوكية.
في السياق ذاته، أكدت الإعلامية والناشطة الحقوقية إيمان أبو عساف في تصريحات لـ”963+” أن الدعوات الغربية للعودة تفتقر للأسس القانونية والأخلاقية، معتبرة أن “الحديث عن تحسّن الأوضاع الأمنية داخل سوريا لا يعكس الواقع الفعلي”، في ظل استمرار هشاشة الوضع السياسي وغياب مشروع وطني جامع.
وتقول إن “العودة القسرية أو الضغط نحوها يعيد إنتاج معاناة السوريين، خاصة مع غياب أي ضمانات أمنية أو بيئة آمنة قادرة على حماية العائدين”، محذّرة من أن أي عملية إعادة دون عدالة ومساءلة ستكون “عودة شكلية تنتج نزوحاً جديداً”.
غياب الإعمار وعودة تفوق طاقة الدولة الانتقالية
تعترف الإدارة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع بصعوبة المرحلة، إذ تصطدم خطة العودة بعوائق مالية وإدارية وقانونية، في ظل موارد محلية شبه معدومة واعتماد كبير على التمويل الدولي الذي يتأثر بالعقوبات والظروف السياسية المعقدة.
ويؤكد سعدون أن الإدارة الحالية “غير قادرة على استقبال اللاجئين، خاصة أولئك الذين لم تُدرس ملفاتهم بعد في بريطانيا أو الاتحاد الأوروبي”، داعياً إلى دعم عربي مباشر من الأردن والعراق ودول الخليج، خصوصاً الإمارات والسعودية والكويت وقطر، لتقديم دعم ملموس يشمل تدريب الأجهزة الأمنية والإدارية لضمان الاستقرار الداخلي.
اقتصاد هشّ وتمويل لا يغطي الحاجة
على المستوى الاقتصادي، يرى الأكاديمي والمستشار الاقتصادي في دمشق الدكتور زياد أيوب عربش أن التحدي الأكبر يتمثل في تحقيق التوازن بين دعم العودة وغياب القدرات التمويلية لإعادة الإعمار.
ويشير عربش في تصريحات لـ”963+” إلى أن هذا التوازن “يتطلب تبنّي سياسات واقعية تقوم على الاستخدام الأمثل للموارد المحلية وكسب دعم إقليمي ودولي فعّال”، مع التركيز على خلق فرص عمل وتحفيز القطاع الخاص وتحسين إدارة المالية العامة.
وفي مقارنة ببرامج الجوار، يوضح عربش أن “هناك نماذج لبرامج العودة الطوعية في لبنان، حيث تُقدَّم مساعدات مالية للعائدين (100 دولار عند المغادرة و400 دولار عند الوصول إلى سورية)”، مشدداً على أن “سياسة وطنية عادلة وشفافة تضمن حقوق العائدين وتسهّل استصدار الوثائق الرسمية هي شرط أساسي لأي نجاح”.
وحول خطة التمويل الأممية (2025–2028) التي تبلغ 1.3 مليار دولار، يرى عربش أنها “ضرورية لكنها غير كافية لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الاستقرار الاقتصادي للعائدين”، داعياً إلى تنويع مصادر التمويل وتعزيز الموارد المحلية.
أمن هشّ وعودة محفوفة بالمخاطر
من الناحية الميدانية، ما تزال مناطق واسعة من البلاد تعاني من هشاشة أمنية ودمار عمراني كبير. وتُعدّ مدن مثل السويداء، وفق تقارير دولية، من المناطق التي تشهد عدم استقرار أمني واضح.
ويحذر سعدون من أن “تحقيق عودة آمنة يتطلب جهداً دولياً حقيقياً يستمر لسنوات”، مقدّراً أن الاستقرار الفعلي في سوريا يحتاج إلى ما لا يقل عن خمس سنوات من العمل المتواصل لإعادة الأمن والبنية التحتية.
بدورها تشدد إيمان أبو عساف على أن “العودة الآمنة لا تبدأ من المعابر بل من الداخل”، معتبرة أن العدالة والمساءلة وبناء الثقة بين المواطن والدولة هي الشروط الأساسية لأي عودة مستدامة.
وتشير إلى أن الضغط الدولي نحو العودة يعكس “فجوة واضحة بين الخطاب الإنساني والواقع الميداني”، محذّرة من أن تجاهل أصوات اللاجئين والعائدين “يشكّل أحد أكبر أسباب فشل برامج الاندماج وإعادة الاستقرار”.
وتعمل الإدارة الانتقالية على تنفيذ استراتيجية مزدوجة تقوم على عودة تدريجية للعائدين بالتوازي مع مشاريع عاجلة لإعادة تأهيل المناطق الأقل دماراً، إلى جانب ضمانات أمنية وقانونية للعائدين.
إعمار مؤجل ورؤية اقتصادية ناقصة
يرى عربش أن أي حديث عن إعادة إعمار شامل يبقى مؤجلاً في ظل محدودية الموارد الحالية، مشيراً إلى أن “تكلفة إعادة إعمار سوريا بالكامل تُقدّر بين 600 و900 مليار دولار، بينما تحتاج البنى التحتية وحدها إلى نحو 216 ملياراً”.
ويؤكد أن الأولويات الاقتصادية العاجلة يجب أن تتركز على تحسين تعبئة الإيرادات، وتحفيز الاستثمار المحلي، وتدريب العائدين مهنياً، إضافة إلى دعم قطاعات الزراعة والبناء والرعاية الصحية.
وفي إطار خطة التنمية بعيدة المدى، يشير عربش إلى أن “صندوق التنمية السوري يخطط لبناء 50 ألف وحدة سكنية للعائدين بحلول عام 2035″، داعياً إلى تسريع الإصلاح المؤسسي وتفعيل اللامركزية لتحسين كفاءة الإنفاق.
ورغم ذلك كله يرى سعدون، أن “سوريا كانت وما زالت بلداً ذا طابع سياحي غني، وتحقيق الأمن والاستقرار سيسمح بإعادة فتح أبوابها أمام السياحة والاستثمار”، ما قد يشكل مورداً مهماً لدعم الاقتصاد السوري في المستقبل.
ويختتم عربش بالقول إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى “رؤية وطنية متكاملة تنسّق بين الدولة والمجتمع المدني والدعم الدولي، لضمان عودة مستدامة للاجئين وبناء قاعدة اقتصادية قوية لسوريا الجديدة”.
وتبدو عودة اللاجئين السوريين في نهاية 2025 خطوة شجاعة لكنها محفوفة بالمخاطر، إذ تتزامن مع غياب الإعمار وبنية تحتية متهالكة، وموارد محدودة لا تكفي لإعادة بناء ما تهدّم.
وبينما يراهن البعض على الاستقرار السياسي والانتقال السلمي لفتح الطريق نحو سوريا جديدة، يظل الواقع الميداني والاقتصادي هشاً، مما يجعل العودة رمزية أكثر منها عملية حتى إشعار آخر.










