أينما حلّوا خربوا عبارة أطلقها الرئيس التونسي قيس سعيّد لوصف أثر “الإخوان المسلمين” في السياسة والمجتمع، لكنها لم تكن توصيفا لحالة تونسية فحسب، بل تلخيصاً لمسارٍ كامل من تجارب الإسلام الحركي التي انتهت إلى الانقسام والفشل. ولعلّ التجربة السورية تمثل المثال الأوضح على هذا المسار، حيث تكشف جماعة “الإخوان المسلمين” عن عجزٍ بنيوي لا يمكن إصلاحه لا بالوثائق ولا بالشعارات.
تنظيم يعيش على الأطلال
منذ خروج الإخوان من سوريا في ثمانينيات القرن الماضي، لم يتمكنوا من إعادة بناء قاعدة اجتماعية حقيقية داخل البلاد. فقد أظهر ذلك الإقصاء المبكر هشاشة مشروعهم القائم على الولاء للتنظيم قبل الوطن، وعلى فكرة “التمكين” الديني قبل المواطنة والمصلحة العامة.
وعلى الرغم من محاولاتهم المتكررة للعودة إلى المشهد بعد عام 2011، ظلّوا عاجزين عن استعادة الثقة أو بناء حضور شعبي مؤثر. فصورتهم في الوعي السوري ارتبطت بالاضطراب والصدام أكثر مما ارتبطت بالاستقرار أو البناء، وبالمصلحة التنظيمية لا بالمصلحة الوطنية. تحوّل التنظيم مع الوقت إلى كيان رمزي يعيش على ذاكرة الماضي، ويستمد شرعيته من خطاب المظلومية أكثر من أي فعل سياسي ملموس.
أزمتهم إذن ليست عابرة، بل متجذّرة في بنيتهم الفكرية والتنظيمية. فداخل الجماعة، تحكم الطاعة والانضباط المركزي العلاقة بين الأعضاء والقيادة، فيما تغيب روح المشاركة والمساءلة. لذلك، يستحيل أن تتحول إلى فاعل ديمقراطي حقيقي، لأن بنيتها الأيديولوجية تتناقض مع أبسط مبادئ الدولة الحديثة والمجتمع المفتوح.
وثيقة “العيش المشترك”.. تجميل لفظي بلا مضمون
إصدار الجماعة مؤخراً لوثيقة “العيش المشترك” لم يكن سوى محاولة جديدة لإخفاء العجز القديم. فالوثيقة صيغت بلغة براقة تتحدث عن الديمقراطية والتعددية والتداول السلمي للسلطة، لكنها في جوهرها تكرر الخطاب ذاته بلغة جديدة. إنها عملية “تغليف” للمضمون القديم لا أكثر.
فالعقل التنظيمي للإخوان ما زال قائماً على مركزية القيادة واحتكار الحقيقة، وعلى الإيمان بأن المشروع الديني هو الإطار الوحيد الممكن للدولة. لذلك، تبقى الوثيقة أقرب إلى تحوّل لغوي لا فكري، وإلى محاولة لتبرير الوجود أكثر من كونها مراجعة حقيقية أو برنامجا للإصلاح. إنها إعلان غير مباشر عن مأزق فكري عميق: عجز الجماعة عن التجديد، وعجزها عن الانتقال من لغة الشعارات إلى منطق الدولة.
العزلة وفقدان الغطاء
تاريخياً، شكّل الإخوان في سوريا جزءاً من شبكة إقليمية واسعة تمتد من القاهرة إلى أنقرة، وهو ما منحهم لسنوات غطاءً سياسياً وتمويلياً وفر لهم مجالاً للحركة والتأثير. لكنّ هذا الدعم تلاشى تدريجياً مع سقوط حكم “الإخوان” في مصر، وتراجع التجارب الإسلامية في تونس والسودان، وتحول تركيا نحو سياسات أكثر براغماتية تضع مصالحها فوق أي التزام أيديولوجي.
بانقطاع هذا الشريان، انكشف الضعف الحقيقي للجماعة، إذ تبين أن قوتها كانت تستمدها من الخارج لا من الداخل، وأن حضورها في المشهد السوري لم يكن إلا انعكاساً لدعمٍ إقليميٍ مؤقت. وجد الإخوان أنفسهم في عزلة كاملة: لا حلفاء، ولا بيئة حاضنة، ولا شارع قادر على استيعاب خطابهم القديم. ومع غياب كل ذلك، لجأوا إلى اللغة بديلا عن الفعل، وإلى الوثائق بدل الممارسة، في محاولة للبقاء الرمزي وسط مشهد تجاوزهم تماماً.
مأزق البنية قبل الخطاب
الأزمة الإخوانية لا تتعلق بالخطاب فقط، بل بالبنية نفسها. فالفكر الإخواني يقوم على منطق “الجماعة” لا “الوطن”، وعلى الولاء العمودي لا المشاركة الأفقية. ولهذا لا يمكن للجماعة أن تكون ديموقراطية، حتى وإن رفعت شعارات الديمقراطية، لأن آلياتها الداخلية قائمة على الطاعة لا النقد، وعلى السرية لا الشفافية.
أي محاولة للانفتاح تصطدم بجدار العقيدة التنظيمية التي ترى في الاختلاف تهديدا، وفي المراجعة انحرافا، وفي السياسة وسيلة للتمكين لا وسيلة للحكم الرشيد. وهكذا، يتحول أي خطاب إصلاحي إلى مجرد غطاء لغوي يخفي أزمة أعمق، هي عجز الجماعة عن التحول من كيان دعوي مغلق إلى مؤسسة سياسية مسؤولة.
إن فشل الإخوان في سوريا ليس طارئاً ولا ناتجاً عن القمع وحده، بل هو فشل هيكلي نابع من طبيعة تكوينهم الفكري والتنظيمي. إنها أزمة فكرة قبل أن تكون أزمة سلطة.
تجارب موازية — من تونس إلى مصر وليبيا
بعد أكثر من عقد على “الربيع العربي”، تراجعت خريطة الإسلام السياسي في المنطقة، وظهرت ملامح مرحلة جديدة من الانحسار التاريخي. في تونس ومصر وليبيا، تكررت النتيجة ذاتها رغم اختلاف السياقات: فشلٌ في الحكم، وعجزٌ عن التحول من حركة احتجاج إلى مؤسسة دولة.
في تونس، صعدت حركة النهضة بعد الثورة كرمز للحرية، لكنها سرعان ما تحولت إلى طرفٍ في أزمة الهوية والانقسام. انشغلت بالتمكين والتحالفات بدل معالجة الاقتصاد والأمن، ففقدت ثقة الناس. وجاءت قرارات قيس سعيّد في 2021 لتغلق فصلًا كاملًا من تجربة الإسلام السياسي.
في مصر، شكّلت تجربة حكم الإخوان بين 2012 و2013 الاختبار الأوضح. فقد دخلوا السلطة بعقلية التنظيم السري لا بعقلية الدولة، ففشلوا في بناء مؤسسات جامعة وأقصوا القوى المدنية، لتسقط التجربة سريعا في الثالث من يوليو. لم يكن السقوط مؤامرة بقدر ما كان نتيجة حتمية لعدم فهم منطق الدولة الحديثة.
وفي ليبيا، حاول الإخوان التمكين عبر الفوضى والتحالف مع الفصائل. لكنهم لم ينجحوا في بناء شرعية شعبية ولا في الحفاظ على وحدة الدولة. ومع تراجع الدعم الخارجي، تقلص نفوذهم حتى بات وجودهم هامشياً، بلا أثر سياسي حقيقي.
تجمع هذه التجارب على حقيقة واحدة: أن الإخوان فشلوا لأنهم لم يعرفوا كيف يحكمون. فمشروعهم الدعوي لم يتحول إلى مشروع وطني، وتنظيمهم لم يتحول إلى دولة.
ما بعد الفكرة
بعد كل هذه التجارب، يمكن القول إن الحركة التي رفعت شعار “الإسلام هو الحل” لم تعد تملك أي حل. تحولت من مشروع ديني إلى جهاز بيروقراطي فارغ، ومن وعد أخلاقي إلى خطاب متكلّس يعيد إنتاج نفسه. لقد فقد “الإخوان” في سوريا، كما في غيرها، القدرة على التأثير لأنهم لم ينجحوا في الانتقال من “دعوة” إلى “دولة”، ومن “تنظيم” إلى “وطن”.
إنهم اليوم نموذج لحركة تجاوزها الزمن، لا تملك أدوات التغيير، ولا شجاعة النقد الذاتي، ولا وعياً بأن ما انتهى ليس فقط مشروعهم السياسي، بل المنطق التاريخي الذي قامت عليه الفكرة نفسها.
مقولة الرئيس التونسي قيس سعيّد تختصر التجربة كلها: أينما حلّ الإخوان، حلّ معهم الانقسام والارتياب، وحيثما رفعوا شعار الإصلاح، انتهى الأمر إلى الفشل والتفكك. وفي الحالة السورية تحديداً، لم يخلّفوا مشروعاً ولا فكراً، بل فراغاً سياسياً وثقافياً يعكس نهاية دورة كاملة من الإسلام الحركي. إنهم لم يخربوا المدن فقط، بل خرّبوا الفكرة ذاتها — فكرة الدين كإمكانية للتحرر — حين جعلوه أداة للسلطة لا للوعي.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










