في سوريا يطرح المشهد السياسي المعقد سؤالاً جوهرياً: ما مدى شرعية السلطة الانتقالية ومؤسساتها الجديدة، في ظل بيئة تتسم بالاضطراب السياسي والاجتماعي؟ في قلب هذا التساؤل، يقف البرلمان السوري الجديد بوصفه أول هيئة تشريعية في عهد الرئيس الانتقالي أحمد الشرع. لكن أي نقاش حول شرعية البرلمان لا يمكن فصله عن الطريقة التي تم تشكيله بها، ولا عن دور الخطاب الديني المتشدد الذي يُستخدم لاستدامة السلطة، ما يجعل دراسة البرلمان الحالي مرآة للتناقضات بين الدين، السياسة، والمجتمع.
برلمان تشكّل في الظل: شرعية على الورق
أُجريت الانتخابات البرلمانية بطريقة غير مباشرة، سمحت للرئيس الانتقالي بتعيين ثلث الأعضاء والإشراف على اختيار الثلثين الآخرين عبر مجالس وهيئات محلية محدودة الصلاحيات. هذه العملية، التي بررت السلطة بأنها لضمان “الاستقرار الانتقالي”، أثارت جدلاً واسعاً حول تمثيل البرلمان الفعلي للسوريين.
الباحث والمحلل السياسي حسان عليان يصف في تصريحات لـ”963+” الانتخابات بأنها “صورية وليست شعبية”، مؤكداً أن العملية لا تعكس إرادة السوريين، بل رغبة النظام في تكريس “دولة صورية جديدة”. ويشير عليان إلى أن بعض المرشحين لم يحصلوا إلا على عشرات الأصوات، وهو ما يؤكد غياب التمثيل الشعبي الحقيقي، فيما يشير تعيين ثلث الأعضاء من قبل أحمد الشرع إلى “مخالفة للقوانين الوضعية والمبادئ الديموقراطية، وإعادة إنتاج النظام الفردي القديم بشكل أخطر من السابق”.
الباحث المصري والمتخصص في شؤون الجماعات المتطرفة والإرهاب، مصطفى أمين عامر، يرى في تصريحات لـ”963+” أن الصيغة التشريعية الحالية “توفر غلافاً قانونياً وشكلياً للنظام أمام المجتمع الدولي، لكنها لا تمنح البرلمان شرعية دائمة أو انتخاباً حقيقياً صادراً عن الشعب”، مشدداً على أن غياب قوى مدنية فاعلة يجعل خيار التحوّل إلى برلمان منتخب أمراً بعيد المنال.
بينما يشدد أوس درويش، الكاتب والباحث السياسي وأستاذ القانون العام، في حديثه لـ”963+” على أن “الإعلان الدستوري الذي صدر عن منظومة الشرع لا يمتلك أي أسس قانونية صحيحة، ويمثل مجرد واجهة لإضفاء مشروعية وهمية على سلطة الأمر الواقع”. ويضيف: “مجلس الشعب الذي تم تشكيله من خلال هذه الآلية مجلس تعييني بالكامل ولا علاقة له بالإرادة الشعبية”.
مرحلة حساسة
يقدم صلاح قيراطة، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، قراءة متوازنة للجدل حول البرلمان، موضحاً أن “الجدل حول طبيعته ليس بلا وجاهة، لكنه لا يمكن قراءته بمعزل عن المرحلة الانتقالية الحساسة التي تمر بها البلاد”.
ويؤكد قيراطة في تصريحات لـ”963+” أن وجود البرلمان خطوة ضرورية لإعادة بناء مؤسسات الدولة ومنح الحياة السياسية إطارًا قانونيًا، لكنه شدّد على أن الشرعية الحقيقية تُقاس بمدى تمثيل البرلمان لإرادة الناس وقدرته على ممارسة دوره الرقابي والتشريعي بحرية واستقلال.
ويضيف قيراطة: “البرلمان قد يكون رمزًا للاستمرار أكثر منه تعبيراً عن الإرادة الشعبية إذا كانت العملية الانتخابية محدودة التنافس أو محكومة بظروف استثنائية، لكنه يمكن أن يشكّل بداية لمسار سياسي أطول إذا توافرت الإرادة لتوسيعه وتحريره من الهيمنة التنفيذية”.
ويشير إلى استخدام الدين لتعزيز الشرعية، موضحاً بعدين متوازيين: “أولاً، حين يُستثار الخطاب الديني لتثبيت السلطة، يتحول الدين إلى أداة للتعبئة والسيطرة، ويصبح البرلمان منبراً للولاء للنظام. ثانياً، الدين جزء من النسيج الاجتماعي السوري ويمكن أن يكون مرجعاً مشروعاً إذا انعكس في التمثيل والتقاليد المجتمعية، وليس مجرد وسيلة شرعية للسلطة”.
ويختتم بالقول: “الشرعية الحقيقية لا تُمنح بالرموز الدينية أو الشكل المؤسسي وحده، بل تُكتسب عبر التمثيل والمساءلة والعدالة. المقياس الواقعي للشرعية هو توازن الأداء الداخلي مع الاعتراف الخارجي: السلطة التي تحقق هذا التوازن تنال شرعية نسبية، بينما تلك التي تخفق في أي منهما تبقى ضعيفة مهما بدا شكلها مؤسساتياً قوياً”.
بدوره، يضيف علاء رجب، الحاصل على دكتوراه في الإعلام والتسويق السياسي، لـ”963+” منظوراً مختلفاً حول العلاقة بين البرلمان والإرادة الشعبية، مشيراً إلى أن “ما يميز البرلمان السوري اليوم هو اعتماده على الإرادة الشعبية، كونه نتاج الحراك المجتمعي الذي تحدى الواقعية السياسية وانعتاق القرار المحلي من سيطرة الاحتلالات المتعددة التي عانت منها سوريا سابقًا”.
ويؤكد رجب أن البرلمان الحالي يمثل تحوّلاً عن “البرلمان المزيف” في عهد النظام السابق، الذي كان “نتاج السلطة السياسية لا الإرادة المجتمعية”، مضيفاً: “لن يكون هناك تناحر بين الأطراف المختلفة لأنهم طرف واحد أساساً، والوظيفة الأساسية للبرلمان اليوم هي مساعدة السلطة على التفكير وإدارة الواقع السوري قانونياً وسياسياً وثقافياً”.
وفيما يتعلق بالدين، يرى رجب أن “السلطة الحالية تسعى إلى تفعيل الدين لا توظيفه، فالتوظيف يشكل خطراً حضارياً، بينما التفعيل السياسي يمثل مصالحة بين الحامل البشري السوري والفاعل السياسي، ويجب أن يعمل البرلمان على منع التوظيف والسعي نحو المصالحة الحضارية والثقافية”.
ويختتم بالقول إن “المقياس الواقعي للشرعية اليوم هو الشرعية الثورية، لكنها لا تسمح بتجاوز المبادئ الاجتماعية والسياسية التي انتفضت الثورة لتحقيقها، ومن هنا، يقع على البرلمان دور مساعد السلطة في التفكير وتحقيق وتمكين سلطة الثورة التحررية عبر التشريع والقانون والسياسة”.
الدين كرافعة للشرعية
الدستور المؤقت استند إلى الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع، في خطوة تحمل دلالات سياسية بقدر ما تحمل دلالات دينية. فالخطاب الإسلامي الصارم الذي تبنته السلطة الجديدة هدفه استقطاب القاعدة الشعبية السنية، خاصة في المناطق التي تشكل الحاضنة الأوسع.
عامر يشرح أن النظام “يحاول إضفاء شرعية دينية على أفعاله السياسية، عبر قراءة دينية خاصة تُفرض على مؤسسات الحكم”، مضيفاً أن هذه الشرعية الدينية “مصاغة بشكل شكلي، إذ اختير كثير من الأعضاء لالتزامهم بقراءات دينية متطرفة لا تعكس بالضرورة حضورًا أو تأثيرًا حقيقيًا للقوى المدنية داخل المجلس”.
وفي رؤية درويش، المنظومة القائمة تمثل “نموذجاً للحكم الاستبدادي المغلف بالدين”، حيث أن “الإعلان الدستوري هو ستار سياسي يمنح شرعية زائفة لجماعة إرهابية تحاول تقديم نفسها كبديل للدولة”.
عليان يشدد على أن استمرار الخطاب الطائفي والتحريضي “يمنع قيام دولة ديموقراطية مدنية تحترم مكونات المجتمع السوري”، ويشير إلى تصاعد اعتداءات لفظية وطائفية في مناطق حساسة مثل جوار مقام السيدة زينب، ما يفاقم الانقسام الداخلي ويزيد من هشاشة الدولة.
تأجيج المشاعر الإسلامية كأداة استدامة سلطوية
تستخدم السلطة الانتقالية الدين أداة سياسية لتثبيت الاستقرار الداخلي على المدى القصير، لكنها في الوقت نفسه تُغذي الانقسام المجتمعي على المدى الطويل. فالتعبئة الدينية تُستخدم لإنتاج حالة “تعبئة عاطفية” ضد الخصوم السياسيين والمذهبيين، ما يمنح النظام شرعية قسرية تعتمد على الدفاع عن “الهوية الإسلامية” بدلاً من التمثيل الديموقراطي أو الإجماع الوطني.
ويرى عليان أن هذا النهج يخلق “حالة تعبئة ضد الأقليات والمجتمع المدني، وقد تدفع البلاد نحو حرب أهلية مدمّرة تهدد وحدة الدولة والمجتمع السوري”.
ويضيف عامر أن هذه العملية “تحوّل الشرعية إلى أداة احتكار سياسي وديني، حيث يصبح الانتماء إلى الجماعة الدينية أو المذهبية فوق الانتماء للدولة، ويضعف بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية”.
ويتفق درويش مع هذه الرؤية، موضحاً أن “الهيمنة الدينية تستند إلى بنية تنظيمية متطرفة، يعيد إنتاج مفاهيم التكفير والإقصاء، بحيث لا يمكن للبرلمان أو النظام أن يكونا أداة دولة مدنية، بل يكرسان عقلية الإرهاب والهيمنة”.
هيئة تحرير الشام والتحولات الدولية
إشكالية الشرعية لا تتوقف على الداخل السوري، بل تمتد إلى العلاقات الدولية، حيث يشكل وجود عناصر من “هيئة تحرير الشام” تحدياً للشرعية الدولية للبرلمان الانتقالي.
ويشير عليان إلى أن “الهيئة ما زالت تصنف كمنظمة إرهابية من قبل المجتمع الدولي، وأن أي محاولة لإعفاء الشرع تأتي لأسباب سياسية مرتبطة بأمن إسرائيل، وليست جزءاً من دعم التحول الديموقراطي”.
أما درويش فيشير إلى أن المنظومة الحالية، بما فيها البرلمان، “لا تمثل سوى امتداد لتنظيمات داعش والقاعدة، وتعمل على إضفاء شرعية شكلية على سلطة استبدادية”.
ويضيف عامر أن محاولة السلطة دمج الضوابط الشرعية ضمن التشريعات والسياسات، دون مشاركة فعلية من المجتمع المدني، تُبرز “شرعية شكلية” تفتقر إلى جوهر الديموقراطية، وتُبقي سوريا في حالة هشاشة داخلية ودولية.
تآكل مفهوم المواطنة
تولّد الشرعية الدينية المتشددة داخل البلاد حالة من الاحتقان الطائفي العميق. الأقليات المسيحية والعلوية والكردية تشعر بالإقصاء، في حين تعتبر القوى المدنية أن الصيغة الإسلامية المهيمنة عائق أمام أي تحول ديموقراطي حقيقي.
ويشير عامر إلى أن تهميش المكوّنات الأساسية، مثل الأكراد في الشمال ومدينة السويداء والعلويين والدروز، يؤدي إلى تراجع حقوق المواطنة والتعددية ويخرج هذه الفئات من المعادلة التشريعية والسياسية، ما يزيد الاستقطاب الاجتماعي ويقوّض إمكانية بناء دولة مدنية حديثة.
ويتفق عليان على أن غياب التمثيل الفعلي للأقليات يُسهم في تصاعد احتمالات الصدام الأهلي، بينما يؤكد درويش أن “الهيمنة الدينية على البرلمان ومؤسسات الحكم تكرّس عقلية الإقصاء وتمنع أي مشاركة سياسية حقيقية”.
الشرعية مقابل الديموقراطية
غياب الانتخابات المباشرة يمثل أبرز مأزق للشرعية التشريعية في سوريا. فآلية تشكيل البرلمان، سواء عبر التعيينات المباشرة أو المجالس المحلية ذات الصلاحيات المحدودة، تقلل ارتباط البرلمان بالمواطنين وتضعف الرقابة والمساءلة.
يعتبر عليان أن ما جرى يمثل “صورة شكلية للانتقال السياسي أمام المجتمع الدولي”، فيما يشدد عامر على أن البرلمان “يشرعن إجراءات النظام ويمنحه استمرارية، لكنه لا يعكس إرادة الشعب”. ويوافق درويش في أن هذا البرلمان “يفتقر حتى إلى أبسط آليات الرقابة مثل الاستجواب أو حجب الثقة عن الوزراء، وكل السلطات التنفيذية والقضائية مركزة في يد الرئيس”.
بين هشاشة الشرعية وإمكانية التحول
يتفق الخبراء (عليان، عامر، ودرويش) على أن استمرار شرعية القوة القائمة على الدين المتطرف والسيطرة التنفيذية سيؤدي إلى تفاقم الانقسام الداخلي وربما إلى صدام أهلي واسع، وأن البرلمان الحالي لا يعكس إرادة الشعب، بل يمثل أداة للحفاظ على الهيمنة السياسية والدينية بشكل شكلي.
في المقابل، يقدم قيراطة ورجب قراءة متوازنة، مؤكدين أن البرلمان يمكن أن يمثل بداية لمسار سياسي أطول إذا توفرت الإرادة لتوسيعه وتحريره من الهيمنة التنفيذية، مع تعزيز الرقابة وتمكين التمثيل الشعبي.
فوفق قيراطة، الشرعية الحقيقية تُقاس بالتمثيل والمساءلة والعدالة، وأن الدين يمكن أن يكون جزءاً مشروعاً من النسيج الاجتماعي السوري إذا انعكس في التمثيل والتقاليد المجتمعية، وليس مجرد وسيلة للسلطة.
ويضيف رجب أن البرلمان الحالي، بالاعتماد على الإرادة الشعبية والمشاركة المجتمعية، قد يساهم في إدارة الواقع السوري قانونياً وسياسياً وثقافياً، مع تفعيل الدين بشكل يحقق مصالحة حضارية، بدل أن يكون أداة للهيمنة أو التعبئة الطائفية.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن البرلمان السوري الجديد يمثل نموذجاً للشرعية المركبة والمأزومة: أداة لاستدامة السلطة وفق قراءة عليان، عامر، ودرويش، وفرصة محتملة للتحول وفق قراءة قيراطة ورجب، إذا تم توسيع التمثيل والرقابة وضبط العلاقة بين الدين والسياسة ضمن إطار مؤسساتي حقيقي.
فالشرعية هنا إذن ليست مطلقة، بل مرتبطة بالقدرة على تحقيق التوازن بين الأداء الداخلي والاعتراف الخارجي، بين التمثيل الشعبي والتحكم الديني والسياسي. وفي غياب هذا التوازن، يبقى البرلمان واجهة سياسية والدين أداة شرعية، بينما يظل الشعب خارج صناعة قراره ومصيره.










