يطرح تشكيل “خلية إعادة مشتركة” بين الولايات المتحدة وشركائها في شمال شرقي سوريا جدلاً واسعاً حول جدواها وتبعاتها، في ظل واقعٍ إنساني وأمني معقّد داخل مخيمي “الهول” و”روج”.
ويرى محللون أن هذه الخطوة تحمل بعدين متلازمين: الأول إنساني يهدف إلى تخفيف معاناة عشرات آلاف النساء والأطفال، والثاني أمني يتصل مباشرة بمنع تجدد نشاط الجماعات المتطرفة التي وجدت في هذه المخيمات بيئة خصبة للتجنيد والتأثير.
ويجمع مراقبون على أن سرعة التحرك الدولي لاستعادة المحتجزين إلى أوطانهم قد تحدد مصير هذا الملف الشائك الذي ظل معلقاً لسنوات.
العدالة شرط للإعادة
أعلنت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، الأحد، ترحيبها بتشكيل الخلية، معتبرةً أنها استجابة لمطالبها المتكررة منذ أعوام، إذ طالبت باستمرار الدول المعنية باستعادة رعاياها المحتجزين في المخيمات.
وأكدت أن غياب الاستجابة السابقة جعلها تتحمل وحدها التحديات الأمنية والإنسانية، وسط مخاطر تنامي التطرف وآثاره على سوريا والمنطقة.
كما شددت على ضرورة أن تترافق أي عملية إعادة مع محاكمات عادلة وشفافة للمقاتلين المعتقلين، معلنة استعدادها لبدء هذه المحاكمات على أراضيها باعتبارها خطوة أساسية لتحقيق العدالة وتعويض الضحايا.
وكان قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر قد أعلن، قبل يومين، عن خطط تشكيل “خلية إعادة مشتركة” لتسريع عودة المحتجزين من المخيمين إلى بلدانهم.
وأوضح أنه وقف خلال زيارته الميدانية لمخيم الهول على أوضاع إنسانية صعبة، مشيراً إلى أن عدد قاطني المخيمين انخفض من نحو 70 ألف شخص عام 2019 إلى أقل من 30 ألفاً اليوم.
وأشاد كوبر بتجربة العراق الذي استعاد 80% من رعاياه، مؤكداً أن إعادة الفئات الهشة قبل تعرضها للتطرف تمثل خطوة إنسانية واستراتيجية في آن واحد، لمنع “داعش” من إعادة تنظيم صفوفه.
وفي هذا السياق، يقول الخبير الأمني العميد المتقاعد عدنان الكناني لـ”963+” إن “مخيم الهول في شمال شرق سوريا يختزن أبعاداً خطيرة تتجاوز ما يبدو على سطحه، فبينما يوحي ظاهره بكونه مخيماً يضم عائلات اضطرت للجوء إليه حفاظاً على حياتها، فإن باطنه يشهد نمواً لبؤر فكرية متطرفة تهدد الأمن الإقليمي”.
تحذيرات من جيل متطرف
ويضيف أن “بعض النساء داخل المخيم تبنين الفكر المتطرف وقمن بتدريسه للأطفال والصبيان، ما جعل هؤلاء ينشؤون في بيئة خطرة تفتقر لأبسط مقومات الحياة، من تقلبات جوية قاسية ونقص حاد في الخدمات وانعدام المرافق الأساسية. غياب الأب دفع النساء لتولي دور تربوي يقوم على التشدد الفكري، وهو ما جعل هذه الفئة العمرية اليوم في مرحلة بالغة الخطورة”.
ويشير الكناني إلى أن “الإحصاءات السابقة قدّرت أعداد العراقيين في المخيم بأكثر من 30 ألفاً بين نساء وشبان وأطفال، لكن الدفعات التي أعيدت إلى العراق خفضت العدد المتبقي إلى نحو 15 ألفاً، وهو رقم كبير وقادر على إحداث تأثير بالغ داخل العراق”.
ويحذر من أن “الداخل العراقي غير مهيأ لاستقبال هذه الأعداد في ظل معاناة المجتمع من ضغوط ومشكلات نفسية، وغياب الأطباء النفسيين المحترفين القادرين على الإشراف على برامج علاجية وتأهيلية متكاملة”.
كما يلفت إلى أن “المشرفين على مخيمات مثل الجدعة في الموصل يفتقرون أيضاً إلى الخبرة الكافية لتقديم تقييمات دقيقة أو تنفيذ برامج تأهيل ناجعة”.
ويشدد الكناني على أن “الحل لا يكمن في الاكتفاء بالتصريحات أو الاعتماد على ما يُقال، بل بضرورة تشكيل لجان دولية محايدة تتولى عملية تقييم شاملة لقاطني مخيم الهول، لتحديد من هم مؤهلون للاندماج الطبيعي في المجتمع ومن يحتاجون إلى معالجة نفسية وتأهيل خاص قبل إعادة دمجهم”.
ويضيف أن “هناك محاولات لتوظيف المتطرفين فكرياً ودفعهم باتجاه الحدود بغية إثارة الفوضى وإشعال حرب جديدة، في وقت يسعى فيه بعض الأطراف لضبط الأمن الداخلي في سوريا، غير أن المشروع الحقيقي قد يكون – بحسب تعبيره – إشعال فتيل حرب إقليمية”.
ويختم بالقول: “الكيان الإسرائيلي لن يسمح بوجود متطرفين فكرياً على حدوده، ما يرجح أن أي تصعيد في هذا الاتجاه قد يؤدي إلى مواجهة مفتوحة لا تُبقي أحداً”.
من جهته، يقول المحلل السياسي المقيم في ميونيخ صلاح سليمان لـ”963+” إن “المبادرة الأميركية لحل مشكلة مخيمات النازحين وإعادة المواطنين الغربيين إلى بلدانهم تواجه تردداً أوروبياً وانقساماً واضحاً، في وقت تسعى فيه دول أخرى إلى إعادة مواطنيها وإعادة دمجهم في المجتمع”.
ويوضح أن “المبادرة الأمريكية لم تكن الأولى من نوعها، لكن التردد الأوروبي كان العائق الأساسي أمام استعادة المواطنين وإغلاق هذه المخيمات”، لافتاً إلى أن “العراق تمكن من استعادة الغالبية العظمى من رعاياه، فيما تراجع العدد الإجمالي للمقيمين في تلك المخيمات إلى نحو 30 ألفاً فقط من أصل 80 ألفاً سُجّلوا عام 2019، معظمهم من السوريين والعراقيين”.
ويشير سليمان إلى أن “الموقف الأوروبي ظل منقسماً، خصوصاً في فرنسا التي تحتل النسبة الأكبر من مواطنيها داخل المخيمات”، مبرزاً أن “قرار المحكمة الإدارية الفرنسية الأخير – الذي رفض توجه وزارة الخارجية لاستعادة النساء والأطفال وطالب بدراسة كل حالة على حدة – قد يعزز المساعي الأميركية”.
ويضيف أن “دولاً مثل البوسنة، مقدونيا، كوسوفو، ألمانيا، بلجيكا والدول الإسكندنافية كانت قد حسمت أمرها مبكراً، وأعادت مواطنيها مع إخضاعهم لبرامج إعادة دمج ومعالجة فكرية، إلى جانب محاكمتهم بتهم تصل إلى ارتكاب جرائم حرب”.
ويختم سليمان بالتأكيد على أن “الولايات المتحدة جادة هذه المرة في إزالة هذه المخيمات نهائياً، إدراكاً منها أن استمرار وجودها قد يسهم في عودة ونمو التطرف، ويتيح المجال أمام الخلايا النائمة لاستغلال الظروف وإعادة النشاط”.










