في الوقت الذي أقرت فيه اللجنة الوطنية السورية للتحقيق بوقوع فظائع واسعة في الساحل، لا تزال الشكوك قائمة بشأن جدية المحاسبة والشفافية، إذ لم يُنشر التقرير الكامل حتى الآن، ولم تُكشف رتب أو مواقع المشتبه بهم، كما لم تُطرح بوضوح مسؤولية كبار القادة العسكريين والمدنيين بموجب مبدأ “مسؤولية القيادة”. هذا الغياب يترك فراغاً كبيراً، ويثير مخاوف من تضارب المصالح أو من محاولة حصر المسؤولية في المستويات الدنيا فقط.
ويؤكد حقوقيون أن المشكلة لا تكمن فقط في غياب أوامر مكتوبة، بل في عدم قيام المسؤولين بمنع الانتهاكات أو وقفها، رغم قدرتهم على حشد القوات وتنسيق عملياتها على نطاق واسع. ويشير هؤلاء إلى أن عجز القيادة عن إيقاف القتل والنهب والاعتقالات الواسعة يعبّر عن تقصير واضح في القيادة، وضعف في الإرادة، وهو ما فتح الباب أمام استمرار الجرائم، وأعطى انطباعًا بالإفلات من العقاب.
وتقول هبة زيادين، الباحثة في منظمة هيومن رايتس ووتش، لـ”963+” إن رفض اللجنة الوطنية لحجم الفظائع وعدد القتلى يمثل خطوة مهمة لكنها غير كافية في ظل غياب الشفافية.
وتضيف أن التقرير الكامل لم يُنشر بعد، ولم تُكشف هويات ورتب المشتبه بهم، كما لم يُتطرّق إلى دور القيادة العليا بموجب مبدأ المسؤولية، ما يفتح الباب أمام تضارب المصالح أو التخفيف من المسؤولية على المستويات العليا.
زيادين شددت على أن أبرز التوصيات المطروحة تتعلق بنشر التقرير الكامل مع ضمان حماية الشهود، وفتح تحقيقات جدية في دور القادة المدنيين والعسكريين، والسماح لهيئات الأمم المتحدة بالوصول الفعلي إلى الداخل السوري.
وتؤكد على ضرورة إصلاح قطاع الأمن عبر توحيد سلاسل القيادة تحت إشراف مدني، وتدقيق القادة والعناصر، وعزل الوحدات المسيئة، وتطبيق مدونة سلوك عسكرية صارمة، إلى جانب حفظ الأدلة وتعويض الضحايا بشكل عادل وشامل.
كما تعتبر أن أي خطة للعدالة الانتقالية يجب أن تتضمن إشراكاً فعلياً للضحايا والمجتمع المدني، مع جدول زمني واضح وآلية مستقلة لمراقبة التقدم ونشر تقارير دورية.
من جانبه، يؤكد بسام الأحمد، المدير التنفيذي لمنظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، لـ”963+” أن المسؤولية عن تلك الانتهاكات لا يمكن اختصارها بالعناصر الميدانية، بل تقع بشكل مباشر على كبار المسؤولين العسكريين والمدنيين.
ويقول إن “غياب أوامر مكتوبة لا يُعفي القيادة من المسؤولية، خصوصاً في عمليات بهذا الحجم، حيث جرى التنسيق المباشر بين وزارتي الدفاع والداخلية”.
ويضيف أن لجنة التحقيق التابعة للسلطات الانتقالية حاولت حصر الانتهاكات بالعناصر الميدانية، من دون محاسبة حقيقية أو تحديد للمسؤولين عن الجرائم.
الأحمد يوضح أن وزارة الدفاع كانت تملك القدرة على حشد عشرات آلاف المقاتلين، وتحديد مناطق انتشارهم، وإبقاء العمليات مستمرة لأيام، وهو ما يثبت الدور المركزي للقيادة العليا.
ويعتبر أن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بمن أصدر الأوامر، بل بغياب أي إرادة أو قدرة من المسؤولين على وقف القتل والنهب والاعتقالات، وهو ما يعكس تقصيراً في القيادة وضعفاً في الإرادة، ويفتح الباب أمام استمرار الجرائم والإفلات من العقاب.
التقرير الذي أصدرته المنظمات الثلاث بعنوان: “أنت علوي: الاستهداف القائم على الهوية خلال المرحلة الانتقالية في سوريا”، استند إلى أكثر من مئة مقابلة مع ناجين وشهود عيان ومقاتلين وصحفيين، بالإضافة إلى صور أقمار صناعية ومواد سمعية-بصرية تم التحقق منها. ووثّق انتهاكات واسعة في أكثر من 24 بلدة وقرية وحي، شملت الإعدامات التعسفية، المداهمات، النهب، الحرق، والاعتقالات على أساس الهوية. وأكد بعض المقاتلين أن المدنيين كانوا يُستهدفون فقط لكونهم علويين، فيما أشار شهود إلى أن هذه الأنماط من الاستهداف بدأت قبل أسابيع في حمص وريف حماة، واستمرت منذ ذلك الحين.
وفي تموز/يوليو الماضي، قدمت اللجنة الوطنية السورية للتحقيق ملخصاً لتقريرها النهائي، أعلنت فيه مقتل 1,426 شخصًا وإحالة 298 مشتبهاً بهم إلى القضاء. ورغم أن هذه الخطوة مثلت تحولًا عن سياسة الإنكار السابقة، إلا أن التقرير لم يحدد مسؤولية القادة ولم يتطرق إلى أوجه التقاعس المؤسسي.
وكانت قد قالت جلنار أحمد، مديرة برنامج الأرشيف السوري، إن ما وقع في الساحل لا يمكن اعتباره حدثاً عابراً اقتصر على أسبوع واحد في مارس، بل هو مؤشر على نمط أوسع من الانتهاكات الممنهجة، يستدعي معالجة هيكلية وشفافة. واعتبرت أن العدالة الانتقالية في سوريا لن تكتمل من دون مواجهة مسؤولية القيادة عن هذه الجرائم.
وفي الخلاصة، يشير التقرير المشترك إلى أن ما جرى في الساحل السوري لم يكن حدثاً عابراً بل عملية منظمة ذات طابع طائفي جرى التخطيط لها على مستوى القيادة. ورغم أن اللجنة الوطنية اعترفت بجزء من الفظائع، فإن غياب الشفافية كما حذّرت زيادين، وتقصير القيادة كما أشار الأحمد، يظلان أبرز التحديات أمام أي مسار جاد لتحقيق العدالة والمصالحة في سوريا.










