في خطوة جديدة تعكس اهتمام اللجنة الأولمبية السورية بتطوير الرياضة الوطنية على مختلف الأصعدة، حطّ في دمشق الخبير الفرنسي لورانت تورسيلاس، المعروف بخبرته الواسعة في مجال التخطيط الاستراتيجي الرياضي وتجاربه المميزة مع عدد من المنتخبات الأوروبية والإفريقية، إضافة إلى إشرافه على تدريب منتخب فرنسا تحت 17 عاماً بكرة الطائرة خلال فترة 2005 وما بعدها.
زيارة تورسيلاس لسوريا لم تكن عابرة، بل جاءت بدعوة رسمية من اللجنة الأولمبية السورية بهدف الاطلاع على واقع الرياضة السورية عن قرب، ووضع ملامح تعاون يساهم في النهوض بالرياضة السورية بشكل عام، وكرة الطائرة على وجه الخصوص.
وفي هذا اللقاء الخاص مع “963+”، تحدّث الضيف الفرنسي بصراحة عن انطباعاته ومقترحاته، مستعرضاً تجاربه السابقة ورؤيته لما تحتاجه سوريا من خطوات عملية.
بدايةً، ما الذي دفعكم للقدوم إلى سوريا في هذا التوقيت؟
الحقيقة أن وجودي في دمشق ليس صدفة أبداً. أنا أتابع الرياضة السورية منذ فترة، ولدي فكرة جيدة عن بعض تفاصيلها. جئت لأرى الواقع بعيني وأقارن بين ما أعرفه وما هو موجود فعلاً. وبعد جولتي ومشاهدتي، أستطيع القول إن الكثير من المفاصل كانت مطابقة لما كنت أعرفه، وهذا يساعدني على صياغة رؤية واضحة حول كيفية تقديم الدعم اللازم.
برأيكم، ما أهم التحديات التي تواجه الرياضة السورية اليوم؟
أعتقد أن هناك ثلاث نقاط محورية:
أولاً: الانتقاء الصحيح للمواهب. الرياضة تبدأ من القاعدة، من المدرسة، من الأحياء الشعبية، وحتى من المخيمات. يجب أن نبحث عن الموهوبين، حتى لو كانوا ثلاثة أو أربعة فقط، ثم نعمل على تطويرهم.
ثانياً: برامج التدريب الاحترافية، وهذا ما ينقص الرياضيين في كثير من الأحيان. لا يكفي أن نملك موهبة، بل يجب أن نرعاها بمنهجية صحيحة.
ثالثاً: الاحتكاك الدولي. الرياضة لا تتطور في عزلة، بل تحتاج إلى منافسة مستمرة مع منتخبات قوية.
تحدثتم عن تجربة إفريقيا، هل يمكن أن تشرحوا لنا أكثر عنها؟
بالتأكيد. في الكونغو، خلال فترة الحروب الأهلية، كان هناك مخيمات للاجئين تضم آلاف الأطفال. تم اختيار ثلاثة أو أربعة لاعبين موهوبين من كل مخيم، ثم تنظيم دوري بينهم. ومن هذه القاعدة الصغيرة، بُني فريق أطلق عليه لاحقاً اسم “فريق اللاجئين”، والذي أصبح خلال فترة قصيرة من أبطال الكرة الطائرة في رواندا. اليوم هناك أكثر من ستة آلاف لاعب يمارسون اللعبة بانتظام هناك. هذه التجربة تُثبت أن الشغف يتفوّق على الإمكانات.
إذا انتقلنا إلى الواقع السوري، ما هو تقييمكم للإمكانات المتوفرة هنا؟
لا يمكن إنكار أن التجهيزات غير كافية، لكن هذا ليس عائقاً مطلقاً. سوريا بلد أثبت حضوره في الرياضة العالمية من خلال أسماء كبيرة مثل البطلة الأولمبية غادة شعاع صاحبة ذهبية أتلانتا 1996، والرباع معن أسعد الذي واجه ظروفاً صعبة لكنه نجح في الوصول إلى العالمية. هذه الأمثلة تقول إن الإرادة قادرة على تجاوز نقص الإمكانيات، لكن مع ذلك نحن بحاجة إلى تحسين البنية التحتية لتواكب الطموحات.
هل لديكم خطة واضحة للتعاون مع الجانب السوري؟
نعم، هناك خطة مبدئية سيتم العمل بها فوراً بعد استكمال التفاصيل اللوجستية. أهم بنودها:
توفير الدعم الفني عبر إرسال مدربين مختصين من أصحاب الخبرة العالمية.
استضافة المنتخبات السورية في لقاءات ومعسكرات خارجية مع فرق قوية.
تنظيم معسكرات مشتركة في دول متقدمة رياضياً، ما يمنح اللاعبين السوريين فرصة للاحتكاك المباشر والتعلم السريع.
هذه الخطوات ستتم بالتنسيق مع اللجنة الأولمبية الدولية، التي تضع في أولوياتها دعم الرياضة السورية.
تابعتم تدريبات منتخب سوريا للسيدات بكرة الطائرة، كيف وجدتم مستواهن؟
فوجئت إيجابياً بما رأيته. الخطة التدريبية والتكنيك المستخدم جيد جداً، وهناك التزام واضح من اللاعبات والكادر الفني. أنا متفائل بقدرة المنتخب على تقديم أداء مشرف في بطولة غرب آسيا بالأردن الشهر المقبل. لكن يجب أن أكون صريحاً: الفريق بحاجة إلى مزيد من الاحتكاك الدولي لتعويض فترة التوقف الطويلة عن المشاركات الخارجية. وهذا ليس تقليلاً من جهودهن، بل هو تشخيص للواقع الذي يحتاج إلى وقت وصبر حتى يصل إلى المستوى المطلوب.
كيف يمكن تطوير الرياضة السورية، بماذا تنصحون؟
سأقولها ببساطة:
تأمين الدعم المالي والتجهيزات الضرورية.
إيجاد برامج تدريب احترافية والاستعانة بخبراء عالميين.
زيادة الاحتكاك الدولي عبر البطولات والمعسكرات المشتركة.
إذا تم العمل على هذه النقاط الثلاث بشكل جاد، فسوف نرى سوريا في مكان مختلف تماماً على الخارطة الرياضية.
كلمة أخيرة توجهونها للرياضيين السوريين؟
أهم ما أؤكد عليه هو الشغف. حين يتوفر الشغف، لا يهم إن كان الملعب ترابياً أو عشبيّاً أو أولمبياً، ولا يهم إن كان اللباس من ماركة عالمية أو زياً بسيطاً. المهم أن يؤمن الرياضي باللعبة التي يمارسها، وأن يقاتل من أجل الفوز. هذا ما يصنع الأبطال الحقيقيين.










