جاء انعقاد مؤتمر “وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا” في الحسكة ليعيد طرح تساؤلات قديمة حول طبيعة العلاقة بين المكونات المحلية والحكومة المركزية، ومدى قدرة الأطراف السورية على إيجاد أرضية مشتركة للحوار في ظل تباين الرؤى بشأن شكل الدولة ومستقبل العملية السياسية. ففي الوقت الذي أكد فيه المؤتمر على أهمية صياغة دستور ديموقراطي يضمن التعددية والمشاركة، شددت الحكومة على ضرورة الالتزام بالمشروع الوطني الجامع وعدم حسم قضايا الدولة عبر تفاهمات جزئية.
وهذا التباين في المواقف يثير تساؤلاً حول ما إذا كان المؤتمر يمثل خطوة نحو حوار وطني أوسع، أم مؤشراً على اتساع الفجوة بين الطرفين.
وعقدت مدينة الحسكة، شمال شرقي سوريا، الجمعة الماضي، مؤتمر “وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا” تحت شعار “معاً من أجل تنوع يعزز وحدتنا، وشراكة تبني مستقبلنا”، بمشاركة أكثر من 400 شخصية تمثل الإدارة الذاتية ومؤسسات سياسية وعسكرية وأمنية، إلى جانب ممثلي مكونات المنطقة ورجال دين.
اقرأ أيضاً: مؤتمر “وحدة الموقف” بالحسكة يدعو لدستور ديموقراطي وإطلاق مسار العدالة الانتقالية – 963+
دستور ديموقراطي
المؤتمر، الذي احتضنه المركز الثقافي في الحسكة، خرج ببيان ختامي دعا إلى صياغة دستور ديموقراطي جديد وإطلاق مسار للعدالة الانتقالية، معتبراً أن الإعلان الدستوري الراهن لا يلبي تطلعات السوريين، وأن المرحلة الانتقالية تستدعي مشاركة أوسع وتمثيلاً عادلاً لجميع المكونات.
البيان شدّد على ضرورة ترسيخ التعدد القومي والديني والثقافي في البنى السياسية والإدارية، وضمان تمثيل الجميع لتعزيز وحدة المجتمع السوري، إلى جانب إعادة النظر في التقسيمات الإدارية بما يعكس الواقع الديموغرافي والخصوصيات المحلية.
كما دعا المؤتمر إلى عقد مؤتمر وطني سوري جامع بمشاركة مختلف القوى الوطنية والديموقراطية لرسم الهوية الوطنية الجامعة، مؤكداً أن الحل المستدام يمر عبر دستور ديموقراطي ودولة لا مركزية، تكفل مشاركة شاملة لكل المكونات.
الرئيس المشترك للمجلس التنفيذي في الإدارة الذاتية، حسين عثمان، قال في كلمته إن المرحلة الحالية تتطلب تكثيف الجهود لنبذ الطائفية والعنصرية ومواجهة محاولات زرع الفتن، مشيداً بتكاتف الكرد والعرب والسريان الآشوريين والتركمان والشركس، ومؤكداً أن “الوحدة هي الضمانة الحقيقية لصون المكتسبات الوطني”.
من جانبها، شددت إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لهيئة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، على أن “التعددية السياسية مطلب أساسي لبناء سوريا حديثة وشاملة”، محذرة من خطورة استمرار “الذهنية الأحادية التي تعمق الأزمات”.
ودعت إلى إدراج حماية المرأة في الدستور الجديد وضمان مشاركتها الفعلية، مؤكدة أن “تمثيل المكونات المحلية هو حجر الأساس لأي حل سياسي مستدام”.
رسائل مصورة وصلت من شخصيات دينية بارزة، حيث أكد الشيخ غزال غزال، رئيس المجلس الديني في المجلس الإسلامي العلوي الأعلى، على ضرورة مواجهة الظلم والتفرقة، داعياً إلى دولة علمانية مدنية تعتمد النظام اللامركزي أو الفيدرالي لحماية حقوق المكونات، فيما شدد الشيخ حكمت الهجري، الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، على أن المؤتمر “ليس مساراً جديداً بل تأكيد على وحدة المكونات السورية”.
وبعد يوم من انعقاد المؤتمر، أعلنت الحكومة السورية رفضها القاطع للمشاركة في أي اجتماعات مقررة في باريس، معتبرة أن مؤتمر الحسكة “خرق واضحاً لاتفاق 10 آذار” و”محاولة لتدويل الشأن السوري”.
مصدر حكومي أكد حينها لـ”963+” أن “حق المواطنين في التجمع السلمي والحوار البنّاء مصون، لكن شريطة أن يكون في إطار المشروع الوطني الجامع الذي يلتف حول وحدة سوريا أرضاً وشعباً وسيادة”.
وأضاف المصدر أن “للمجموعات الدينية أو القومية كامل الحق في التعبير عن رؤاها السياسية وعقد اجتماعاتها ضمن الأطر القانونية، شريطة أن يكون نشاطها سلمياً وألا يفرض رؤيته على شكل الدولة”. وشدد على أن شكل الدولة “لا يمكن أن يُحسم عبر تفاهمات فئوية بل عبر دستور دائم يقر بالاستفتاء الشعبي”، داعياً الوسطاء الدوليين لنقل المفاوضات إلى دمشق “العنوان الشرعي والوطني للحوار”.
وحذّر من أن المؤتمر يشكل “ضربة لجهود التفاوض الجارية” وأن الشعب السوري “سيفشل مشاريع التقسيم”.
“متهور ومتوتر”
الصحفي والباحث السياسي حازم داكل يقول لـ”963+” إن “المؤتمر جاء انعكاساً لحالة الخوف وعدم الثقة بعد أحداث السويداء، في ظل مخاوف مكونات واسعة من تغييبها عن القرار الوطني، ما دفع بعض الأطراف للبحث عن تحالفات أقرب إلى “تحالف الأقليات”، كنتيجة لفشل المشروع الوطني الجامع”.
ويضيف أن رد الحكومة حمل ثلاث رسائل: “التقليل من شرعية المؤتمر، واعتباره خرقاً قانونياً وتدويلًا للقضية، وربطه تاريخياً بمحاولات تقسيم سابقة، مع الإبقاء على باب الحوار مفتوحاً بشروطها”.
ويحذّر داكل من أن “استمرار شيطنة المؤتمر قد يغلق نافذة الحوار ويدفع بعض القوى لخيارات انعزالية أو دعم خارجي”، داعياً إلى استثماره كفرصة لمعالجة المخاوف وإطلاق مسار مصالحة وطنية على أساس المساواة.
أما الكاتب السياسي جوان يوسف، فيقول لـ”963+” إن المؤتمر وجّه رسالة واضحة لحكومة دمشق بأن “محاولات فرض الإرادة من سلطة ذات لون واحد لن تلقى قبولاً”، معتبراً أن “قسد” نجحت في جمع المكونات حول رفض ما تحاول دمشق فرضه، رغم وجود انقسامات داخلية.
وينتقد يوسف رد الحكومة ووصفه بـ”المتهور والمتوتر”، معتبراً أنه افتقد لروح السياسة ومال إلى “الصبيانية”، وكان الأجدر به احتواء الموقف.
ويؤكد أن المؤتمر لم يخلق الخلافات، لكنه كشف عن عجز السلطة عن إدارة حوار مع أي طرف مخالف.
في المقابل، يشدد المحلل السياسي علاء الأصفري في تصريحات لـ”963+” على أن “الحل يكمن في شراكة حقيقية بين أبناء الوطن بعيداً عن الإقصاء، ورفض الانفصال أو الفيدرالية أو الحكم الذاتي”.
ويحذّر الأصفري من أن استمرار الخلاف قد يقود إلى سيناريوهات “بحدود الدم” أو كانتونات تستقطب أطرافاً إقليمية، داعياً إلى دولة مدنية عصرية تحترم الاختلاف وتجنب البلاد خطر التفكك.










