شهدت سوريا بين عامي 1949 و1970 واحدة من أكثر الفترات السياسية اضطراباً في العالم العربي، حيث تعاقبت الانقلابات العسكرية بوتيرة متسارعة، ما أدى إلى تآكل الشرعية الدستورية، وتفكك المؤسسات المنتخبة، وتحول الدولة إلى كيان تحكمه القوة العسكرية والأمنية، بدلاً من سيادة القانون.
فخلال هذه الفترة، سجّلت سوريا أكثر من عشر محاولات انقلاب، نجح بعضها في الوصول إلى السلطة، بداية بانقلاب حسني الزعيم في 30 آذار/ مارس 1949، الذي أطاح بالحكومة المدنية المنتخبة ووضع الجيش في صلب الحياة السياسية، منهياً تجربة الديموقراطية البرلمانية التي تلت الاستقلال عام 1946.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور محمد عباس، الباحث والخبير السياسي العسكري، في تصريحات لـ”963+” إن المؤسسة العسكرية السورية “لعبت دوراً سلبياً في ترسيخ مفاهيم الديموقراطية وبناء هوية وطنية جامعة”، معتبراً أن “الانقلابات العسكرية المتعاقبة منذ انقلاب الزعيم لم تنطلق من دوافع وطنية خالصة، بل كان العديد منها مرتبطاً بأجندات خارجية وإقليمية”.
ويشير عباس إلى أن هذه الانقلابات “أقصت كل من خالف المؤسسة العسكرية الرأي”، ورسخت ما وصفه بـ”شرعية القوة”، على حساب “قوة الشرعية”، حيث لم تعد السلطة تستمد مشروعيتها من الشارع أو من قوى وطنية، بل من التوازنات داخل المؤسسة العسكرية.
اقرأ أيضاً: من يحكم السويداء؟.. صراع النفوذ الإقليمي في جنوبي سوريا – 963+
تعاقب الانقلابات وبداية تفكك النظام البرلماني
بعد حسني الزعيم، أطاح انقلاب سامي الحناوي به في آب/ أغسطس 1949، وأُعدم الزعيم بعد محاكمة عسكرية سريعة. وفي السنوات التالية، تكررت الانقلابات، وكان أبرزها انقلاب أديب الشيشكلي، والوحدة مع مصر عام 1958، ثم الانفصال عنها في 1961، قبل أن يستولي حزب البعث على السلطة عبر انقلابَيْ شباط/ فبراير وآذار/ مارس 1963، وما تبعه من انقلاب داخلي عام 1966 أطاح بالقيادة القومية لصالح الجناح العسكري.
ويرى خبراء أن هذه الانقلابات المتعاقبة لم تكن مجرد تغييرات في رأس السلطة، بل كانت تعبيراً عن انهيار مستمر في البنية القانونية والسياسية للدولة.
ويقول نعيم أقبيق، المختص في القانون الدولي، في تصريحات لـ”963+” إن “الانقلاب العسكري هو صراع على السلطة دون رؤية سياسية، تُسقَط فيه الدساتير ولا يُؤسَّس لشرعية بديلة”، بعكس الثورة التي تقوم، وفق قوله، على “مبادئ جديدة وتسعى لعقد اجتماعي وتنظيم السلطة عبر آليات ديمقراطية واضحة”.
تعليق الدساتير وتآكل الشرعية القانونية
مع كل انقلاب، كانت الدساتير تُعلّق، وتُلغى المؤسسات المنتخبة، ما أدى إلى تفريغ الدولة من مضمونها القانوني. فبعد استيلاء البعث على الحكم عام 1963، أُعلنت حالة الطوارئ، وعُطّل الدستور، وبقيت البلاد بلا إطار دستوري فعلي حتى إصدار دستور 1973.
وتعليقًا على ذلك، يقول أقبيق إن “الانقلابات في سوريا، وخصوصاً في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت مدفوعة في كثير من الأحيان من قوى خارجية مثل بريطانيا، فرنسا، وأميركا، لأهداف تتعلق بأنابيب النفط أو لإفشال حكم وطني منتخب كما حصل بعد انتخاب شكري القوتلي”.
عسكرة الدولة واختفاء المؤسسات المدنية
أدى دخول الجيش إلى الحياة السياسية إلى تعطيل المؤسسات المدنية، وتحوّل الجهاز التنفيذي إلى امتداد للمؤسسة العسكرية. ويقول الدكتور عباس: “أصبحت الحكومات تُشكَّل من ضباط، واستُبعدت القوى المدنية، وتم استخدام القضاء كأداة لتصفية الخصوم، كما حصل في محاكمة حسني الزعيم”.
وفقد القضاء استقلاليته مع انتشار المحاكم العسكرية، وغابت المحاسبة، وأُفرغ البرلمان من صلاحياته، ولم يعد الفصل بين السلطات إلا مظهرًا شكليًا، في ظل هيمنة المؤسسة العسكرية على السلطتين التنفيذية والتشريعية.
اقرأ أيضاً: بين “أمة واحدة” و”قوة مستقلة”.. كيف ترسم أميركا ملامح سوريا الجديدة؟ – 963+
الأجهزة الأمنية كبديل للدولة
تعمّقت هذه التحولات بعد 1963، مع تعاظم نفوذ حزب البعث وأجهزته الأمنية، التي تحوّلت إلى العمود الفقري للنظام.
ومثّل انقلاب البعث نقطة فاصلة في تاريخ سوريا، حيث جرى حل الأحزاب، وإلغاء الحريات السياسية، وتمركز الحكم بيد حزب البعث والجيش. وبعد انقلاب 1966، أُطيح بالقيادة القومية للحزب لصالح جناح اللجنة العسكرية، ما زاد من الانقسامات داخل النظام نفسه.
نهاية مرحلة الفوضى وتأسيس النظام السلطوي
بلغت هذه التحولات ذروتها في انقلاب حافظ الأسد عام 1970، والذي أنهى حالة الفوضى والانقلابات المتكررة، لكنه أسس لنظام مركزي عسكري أمني، يستند إلى “شرعية القوة” بدلاً من الانتخابات أو المؤسسات المنتخبة. وجاء دستور 1973 ليضع الجيش والرئيس في قلب النظام، ويجعل أجهزة الأمن أداة الحكم الفعلية.
ويقول عباس إن “الأجهزة الاستخباراتية لم تُبنَ لحماية القانون، بل لحماية الحاكم، وتقديمه كقائد ملهم لا يُخطئ”، مضيفاً أن “الشعب مُنع من ممارسة حرياته، وفرضت عليه سلوكيات تتماشى مع سردية السلطة”.
ويوضح أن “كل نظام حكم عسكري هو بطبيعته إقصائي، يختزل الديموقراطية بقرارات فوقية، ويدّعي تمثيل الشعب دون آليات ديموقراطية حقيقية”.
من جانبه، يشدد أقبيق على أن “الدستور ليس مجرد وثيقة قانونية، بل هو عقد اجتماعي يُنظّم تأسيس السلطة وممارستها وانتقالها، وبدونه لا يمكن بناء دولة شرعية أو تحقيق استقرار طويل الأمد”.
أسباب بنيوية لتكرار الانقلابات
تعود موجة الانقلابات السورية إلى عدة عوامل بنيوية، منها: “انهيار النظام السياسي بعد نكسة فلسطين 1948، ضعف المؤسسات المدنية، تضخم دور الجيش في السياسة، الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية، ترسخ ثقافة تمجيد العسكر، التدهور الاقتصادي والاجتماعي، وتدخلات خارجية في القرار السيادي”.
ويعتبر أقبيق أن “الحل يكمن اليوم في إطلاق حوار وطني شامل، ينتج عنه دستور جديد، يُحدد شكل السلطة ويؤسس لوحدة وطنية حقيقية”، في ظل التعدد الكبير للمكونات السورية عرقياً ودينياً وثقافياً واقتصادياً.
ويرى الدكتور عباس أن “بناء الدولة لا يمكن أن يتم دون قوة ضابطة تحظى بشرعية شعبية، لا بوسائل الإكراه”، محذراً من خطورة “تشكيل ميليشيات أو قوات رديفة تفتقر إلى البنية القانونية”.
ويختم بالقول: “الوطن لا يُبنى إلا بجيش واحد وسلاح واحد، وتحت مظلة مؤسسة عسكرية وطنية جامعة. كل سلاح خارجها هو تهديد مباشر لأمن المجتمع واستقراره”.










