مقدام البربور
على مدار العقود الأربعة الماضية، تطورت السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط ضمن مسار يجمع بين ثوابت استراتيجية وأدوات متحركة. ورغم تغير الإدارات وتباين الأيديولوجيات الحاكمة في واشنطن، حافظت هذه السياسة على أطر عامة لم تتبدّل كثيرًا، يأتي في مقدمتها ، ضمان أمن إسرائيل، تأمين تدفّق الطاقة، واحتواء الخصوم الإقليميين والدوليين.
هذا النمط الاستراتيجي لا يعكس مجرد سياسة عابرة، بل ينتمي إلى ما يمكن تسميته بمدرسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط (تيار فكري-استراتيجي مستقر نسبيًا)، بوصفها بنية عقلانية مؤسساتية تتجاوز الحسابات الحزبية. فهي مدرسة هجينة تجمع بين الواقعية السياسية كما تجلت في مرحلة كيسنجر، والتدخلات المحافظة الجديدة في مرحلة بوش الابن، والانكفاء النسبي في عهد أوباما، وصولًا إلى صيغ التحالفات والممرات الاقتصادية في عهد بايدن.
ويعبّر هذا المسار المدرسي عن فهم متجذر في أجهزة الدولة العميقة كالبنتاغون، ووكالات الاستخبارات، والكونغرس، ومراكز التفكير واللوبيات التي تؤمن بثوابت لا تتغير كثيرًا بتغير الخطاب السياسي الظاهري.
من هذا المنطلق، يسعى هذا المقال إلى تحليل تطور مدرسة السياسة الخارجية الأمريكية من حقبة الحروب المباشرة والهيمنة الأحادية، إلى مرحلة التحالفات المعقدة وشبكات النفوذ غير المباشر. كما نناقش كيف تظل الولايات المتحدة متمسكة بمصالحها التاريخية، في ظل تغيّر أدواتها استجابةً لتحولات التوازنات العالمية، وخصوصًا مع تصاعد الدورين الصيني والروسي في المنطقة.
أمن إسرائيل، النفط، واحتواء الخصوم
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ارتكزت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط على ثلاث ركائز ثابتة ، من ضمان تدفّق الطاقة بأسعار معقولة وقد تكرّس هذا المبدأ في اتفاقية كوينسي عام 1945 بين الرئيس فرانكلن روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود، والتي شكّلت الأساس لتحالف طويل الأمد يقوم على الحماية الأمنية مقابل تأمين إمدادات النفط الحيوية للاقتصاد الأمريكي والعالمي. هذا الربط بين الأمن والطاقة ظل موجهًا رئيسيًا للسياسة الأمريكية في التعامل مع الأزمات الإقليمية وتوزيع القواعد والموارد. إلى أمن إسرائيل كمصلحة استراتيجية عليا وقد تجلى هذا في الدعم العسكري والدبلوماسي الأمريكي شبه غير المشروط للدولة العبرية، منذ نشأتها وحتى اليوم. رعت واشنطن اتفاقيات محورية مثل كامب ديفيد وأوسلو، ووفرت تمويلًا عسكريًا هائلًا لإسرائيل، مما يجعل من أمنها ثابتًا يتجاوز الانقسامات السياسية الأمريكية. وبالنهاية مواجهة النفوذ المعادي فخلال الحرب الباردة، تمثّل ذلك في احتواء الاتحاد السوفييتي، كما في أفغانستان. ومع تغير السياقات الدولية، انتقلت هذه المقاربة لمواجهة روسيا ما بعد 2015، والصين التي تسعى لتمديد نفوذها من خلال مبادرة الحزام والطريق.
في هذا السياق، يقدّم مارتن إنديك في كتابه حول كيسنجر قراءة معمقة لدور الأخير في السبعينيات، واصفًا إياه بـسيد اللعبة الذي هندس استقرارًا هشًا في المنطقة عبر دبلوماسية النقل بدلًا من فرض حلول نهائية. يبرز إنديك كيف تبنّى كيسنجر واقعية سياسية (realpolitik) تركز على موازين القوى لا على العدالة، وشكّلت منهجيته بداية الانتقال من أدوات القوة الصلبة إلى أدوات أكثر مرونة وتكيّفًا.
إذا كانت الثوابت الأمريكية لم تتغير، فإن أدوات السياسة الخارجية قد شهدت تحوّلات عميقة، لا سيما بعد حربي العراق وأفغانستان. هذا ما تؤكده دراسة كينيث كاتزمان ، الصادرة عن خدمة أبحاث الكونغرس، والتي تمثل إحدى التعبيرات الرسمية عن التحوّل المؤسساتي في التفكير الاستراتيجي الأمريكي.
يشير كاتزمان إلى أن الشرق الأوسط ما يزال في قلب المصالح الأميركية حيث تشكل المنطقة 31٪ من الإنتاج النفطي العالمي، و48٪ من الاحتياطيات المؤكدة، وتمر عبر قناة السويس أكثر من 30٪ من حجم التجارة العالمية بالحاويات ، إلا أن أدوات الحفاظ على هذه المصالح تغيّرت بشكل جذري ، فبدلًا من التدخلات العسكرية المكلفة، أصبحت واشنطن تعتمد على تحالفات إقليمية، أدوات ضغط اقتصادية، وشبكات نفوذ مرنة. هذا التوجه ظهر بوضوح في عهد أوباما، تحت شعار القيادة من الخلف ، وتكرّس أكثر في مرحلة ترامب الأولى عبر صفقات التطبيع ، وتوسيعها بمشاريع بايدن العابرة للحدود، واستمرارها اليوم بتجديد ترامب لصفقات التطبيع وتوسيع سياسات التكيف. حيث أوصت دراسة كاتزمان بـتحول استراتيجي يتمثل في الحفاظ على حضور عسكري محدود، مع تعزيز التحالفات والعلاقات الاقتصادية وشبكات الطاقة، وهو ما يُضفي على هذا التحول بُعدًا مؤسساتيًا يعكس العقل الاستراتيجي لواشنطن.
هذه الرؤية تتقاطع أيضًا مع ما طرحه الجنرال ديفيد بتريوس في برنامج قناة الحرة بعنوان السياسة الخارجية الأميركية بين الشرق الأوسط وآسيا 2024، حيث أكد أن واشنطن، وبعد سلسلة الحروب المكلفة، باتت تميل إلى صيغة جديدة من إدارة النفوذ، تقوم على صياغة تحالفات مرنة، وشبكات اقتصادية، وممرات استراتيجية كبدائل أكثر فاعلية من التمركز العسكري المباشر.
الجغرافيا تعود دون استئذان
في مواجهة التمدد الصيني، لا سيما من خلال مشروع الحزام والطريق ، برزت ملامح سياسة أمريكية جديدة تسعى لإعادة صياغة الجغرافيا الاقتصادية للشرق الأوسط عبر مشاريع الربط اللوجستي والطاقة. من أبرزها مشروع الممر الاقتصادي الهندي-الأوروبي-الشرق أوسطي(IMEC) الذي طرحته إدارة بايدن في قمة G20 عام 2023، ويهدف إلى ربط الهند بالخليج، ثم بأوروبا، عبر ممر يمر بإسرائيل والأردن. هذا المشروع لا يهدف فقط إلى إعادة توزيع مسارات التجارة، بل يسعى لتقويض النفوذ الصيني من خلال بديل أمريكي غربي يستند إلى تحالفات متعددة الطبقات. وقد عبّر مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جيك سوليفان، عن هذا التوجه بقوله : عصر القواعد العسكرية المباشرة يجب أن يُستبدل بشبكات تحالفات استراتيجية طويلة الأمد.
في مقالته بـForeign Affairs (يوليو/آب 2022)، حدد سوليفان خمس ركائز للمرحلة الجديدة من الانخراط الإقليمي: الشراكات، الردع، الدبلوماسية وتهدئة التوتر، التكامل، والقيم . ويؤكد أن التحالفات الجديدة مثل مجموعة I2U2 (الهند، إسرائيل، الإمارات، الولايات المتحدة) تعكس نمطًا من النفوذ الذكي المرتبط بالاقتصاد والتكنولوجيا، لا بالدبابات.
وفي هذا الإطار، لا تمارس واشنطن الدبلوماسية بوصفها أداة لحل النزاعات فحسب، بل كوسيلة لإعادة تشكيل البنية الإقليمية، وجعلها أكثر تماهياً مع النظام الاقتصادي ـ السياسي الذي تسعى لقيادته. فالصين تعتمد استراتيجية قائمة على التمويل والبنية التحتية مقابل النفوذ، عبر أدوات مموّهة كالاستثمار والتنمية. بينما تُفضّل واشنطن أدوات الشراكة المشروطة، وربط الأمن بالطاقة والدبلوماسية. أما روسيا، فاعتمدت سياسة القوة الصلبة في سوريا وليبيا، وتحاول استعادة النفوذ من بوابة السلاح والتدخل المباشر، وهو ما تتفوق عليه واشنطن من حيث أدوات التغلغل غير العسكري، وإن كانت أقل حضوراً ماديًا في بعض الملفات.
التكيّف دون الانسحاب
تعكس الوثائق الرسمية مقاربة شاملة ومُنسقة، تدمج بين الدبلوماسية والأمن والاقتصاد، وتُظهر كيف تُترجم الثوابت الاستراتيجية إلى أدوات مرنة، تجمع بين الدبلوماسية، الأمن، الاقتصاد، والتنمية الثقافية، ضمن رؤية موحدة تديرها مؤسسات متشابكة. ورغم اختصار بعض مظاهر الحضور المباشر، إلا أن هذه الوثائق تؤكد على استمرارية دعم أمن إسرائيل، وضمان تدفق الطاقة، واحتواء المنافسين. وفي الآن ذاته، تدعو إلى استثمار متزايد في الشراكات، المشاريع المشتركة، وبرامج الحكم الرشيد، بما يعكس تحوّلًا استراتيجيًا لا انسحابًا. وهكذا، فإن ما نشهده ليس تخليًا عن الشرق الأوسط، بل إعادة تموضع مدروسة تجعل من الولايات المتحدة مصمّمًا مركزيًا للبنية التحتية الإقليمية لا من خلال الاحتلال، بل عبر رسم خطوط التجارة والطاقة، وتقوية تحالفات تعكس ميزان القوى الجديد.
مدرسة بلا جيوش، بل بشبكات
يمكننا القول إن مدرسة السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط لم تتغير في جوهرها، بل غيّرت أدواتها. فالثوابت ـ أمن إسرائيل، تأمين الطاقة، واحتواء الخصوم ـ لا تزال قائمة، لكنها اليوم تُدار عبر شراكات وممرات ومشاريع اقتصادية، بدلًا من الغزو والمواجهة المباشرة.
الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى جيوشها لتحقيق نفوذها، بل تسعى إلى هندسة المنطقة وفق مصالحها عبر بنية تحتية استراتيجية. وبينما تنسج الصين خطوطها عبر السكك الحديدية والموانئ، تحاول واشنطن الردّ بخيوط التحالفات الذكية والدبلوماسية الاقتصادية، في مدرسة لم تغب، بل غيّرت فقط مقاعدها ومعلميها.










