بدأت إسرائيل يوم الجمعة الماضي، هجوماً عنيفاً غير مسبوق على إيران، استهدفت خلال يومه الأول قادة الصف الأول في الجيش الإيراني و”الحرس الثوري” وأعلنت مقتل 20 من أبرز القيادات، قابله رد إيراني عبر عشرات الصواريخ نجح بعضها باختراق الدفاعات الإسرائيلية وأسفر عن قتلى وجرحى، في تصعيد كبير أثار المخاوف من ارتدادته على المنطقة، وأثار تساؤلات بشأن مستقبلها ومكان طهران فيها، لا سيما بعد حديث تل أبيب عن تدمير جزء كبير من القدرات العسكرية لطهران، وتلويحها إلى جانب واشنطن بإسقاط النظام الإيراني الحاكم.
مئات القتلى والجرحى
بعد مرور 6 أيام على بدء التصعيد والقصف المتبادل، وسقوط نحو 240 قتيلاً في إيران وحوالي 30 في إسرائيل إضافة لعشرات الجرحى وأضرار مادية كبيرة، لا مؤشرات على وقف الحرب في ظل حديث تل أبيب عن القضاء على النظام الصاروخي ونظام إنتاج الطائرات المسيرة الإيراني، ومنع طهران من الوصول إلى سلاح نووي، وتلويحها بالمضي قدماً حتى إسقاط النظام الحاكم، بموازاة رسائل أميركية مباشرة للأخير تطالبه بـ”الاستسلام” ورفض السماح له بالوصول إلى العتبة النووية.
وأفاد موقع “تايمز أوف إسرائيل” اليوم الأربعاء، أن إيران أطلقت نحو 10 صواريخ على وسط إسرائيل، ما أسفر عن اندلاع حرائق في عدد من السيارات دون وقوع خسائر بشرية، وقال إن صفارات الإنذار دوت في عدد من مدن وبلدات وسط البلاد، وأصدر الجيش الإسرائيلي أوامر للسكان في الوسط بالتوجه إلى الملاجئ، وتحدثت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن أن إيران أطلقت نحو 400 صاروخ باليستي باتجاه إسرائيل منذ بداية الحرب.
ومن جانبه، قال “الحرس الثوري” في بيان بثه التلفزيون الرسمي الإيراني، إن “الموجة الحادية عشرة من عملية الوعد الصادق3 باستخدام صواريخ فاتح1، أطلقت باتجاه إسرائيل”، وأضاف أن “القوات الإيرانية سيطرت بشكل كامل على أجواء الأراضي الإسرائيلية، بعد إطلاق الصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت”
واشنطن على خط المواجهة
وبموازاة تصريحات تصعيدية من قبل مسؤولين إسرائيليين على رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تجاه طهران، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم أمس الثلاثاء في سلسلة منشورات على منصة “إكس“، إن “الولايات المتحدة لديها سيطرة كاملة وشاملة على الأجواء الإيرانية”، مضيفاً أن “إيران تمتلك أجهزة تعقب جوية ومعدات دفاعية متطورة، لكنها لا تقارن بما تصنعه الولايات المتحدة، لا أحد يتفوق على الصناعات الأميركية”.
وذكر ترامب، أن “واشنطن تعلم بالضبط أين يختبئ المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وهو هدف سهل، لكنه آمن هناك ولن نقوم بتصفيته، على الأقل ليس في الوقت الحالي، لكننا لا نقبل إطلاق صواريخ على المدنيين أو الجنود الأميركيين، صبرنا بدأ ينفد”، في تصريحات فهم منها أن الولايات المتحدة تلوّح بعمل عسكري ضد إيران.
النظام الإيراني مستهدف
الباحث في العلاقات الدولية والشأن الإيراني إياد المجالي المقيم في الأردن، يقول لـ”963+”، إنه “بعد مرور أيام على بدء التصعيد العسكري والمواجهة بين إسرائيل وإيران، يطرح سؤال أساسي هو أين سيكون موقع طهران بالمنطقة مستقبلاً، خاصةً أن إسرائيل والولايات المتحدة تجاوزتا مسألة الردع إلى محاولة إنهاء النظام السياسي في إيران، ويستدل على ذلك بكثافة الضربات على أصوله العسكرية وقيادات الصف الأول في الأركان والحرس الثوري ومراكز السيطرة”.
ويضيف مجالي، أنه “يفهم من ذلك إلى جانب تصريحات مسؤولي البيت الأبيض، أن الأمر يتجاوز تعطيل البرنامج النووي إلى إضعاف النظام الإيراني وإسقاطه، والدفع نحو تفجير الوضع في الداخل الإيراني وزعزعة الاستقرار الداخلي، وربما وصولاً إلى اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي بعد القضاء على منظومات الدفاع الإيرانية والصواريخ الهجومية والطائرات المسيرة”.
صراع طويل الأمد
من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية صلاح قيراطة، المقيم في العاصمة الإسبانية مدريد، أن “المشهد بين إسرائيل وإيران يتجه نحو صراع طويل الأمد منخفض الوتيرة، لا حرب شاملة ولا سلام مستقر، بل حالة من إدارة التوتر عبر ضربات محدودة وعمليات بالوكالة، تضمن للطرفين تحقيق أهداف مرحلية دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة”.
يقول قيراطة لـ”963+”، إن “إسرائيل تسعى لتقليص نفوذ إيران في سوريا ولبنان، وتعتبر حزب الله التهديد الأخطر، خاصةً في ظل تفجر الجبهات بشكل متزامن، في حين تعتمد طهران على شبكة من الوكلاء الإقليميين مثل حزب الله والحوثيين والحشد الشعبي وحركة الجهاد الإسلامي لبسط نفوذها وردع تل أبيب دون مواجهة مباشرة، لكن بعد حرب غزة، تبيّن محدودية النفوذ الإيراني في تحريك الجبهات المتعددة بفعالية كاملة، وهذا يدفع طهران اليوم إلى تحول استراتيجي من سياسة التوسع إلى تثبيت النفوذ، خصوصاً في العراق وسوريا ولبنان، مع التركيز على أدوات غير مباشرة مثل العقيدة، الاقتصاد، والوكلاء”.
وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، قد حذر أمس الثلاثاء، المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي من مصيرٍ مماثلٍ لمصير رئيس العراق السابق صدام حسين، وقال: “إننا نضرب إيران بقوة هائلة على جميع الجبهات، وفقاً لأهداف الحرب التي حددناها، أحذر الديكتاتور الإيراني من الاستمرار في ارتكاب جرائم حرب وإطلاق الصواريخ على المواطنين الإسرائيليين”، مضيفاً أن “إسرائيل ستواصل عملياتها ضد الأهداف العسكرية في العاصمة الإيرانية طهران وعلى السكان إخلاء تلك الأماكن”، وفقاً لما أفادت به صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية.
أين موقع إيران؟
ويشدد قيراطة، على أن “موقع طهران بعد الحرب سيبقى محورياً، لكنها لم تعد قوة إقليمية هجومية كما كانت، بل أصبحت قوة نفوذ غير مباشر، تحاول تثبيت مواقعها بدل التوسع، مع تجنب حرب كبرى لا تريدها ولا تتحمل كلفتها”، مشيراً إلى أن “التقديرات الواقعية تشير إلى أن إسرائيل ستواصل سياسة المعركة بين الحروب القائمة على الضربات العسكرية المتكررة لإضعاف قدرات إيران وأذرعها الإقليمية، من دون السعي لإسقاط النظام في طهران بشكل مباشر، ومن دون الانزلاق إلى حرب شاملة، حيث أنها ترى أن الاستنزاف التدريجي لإيران أكثر فعالية وأقل كلفة من المواجهة المفتوحة أو تسوية كبرى محفوفة بالمخاطر”.
ويعتبر، أنه “من غير المرجح، في المدى المنظور، أن نشهد اتفاق سلام رسمي بين إيران وإسرائيل، حتى في ظل رعاية أميركية وروسية مشتركة، فالصراع بين الطرفين يتجاوز مجرد خلافات سياسية أو أمنية، بل هو ذات طابع إيديولوجي واستراتيجي عميق، حيث ترى طهران في إسرائيل كياناً غير شرعي، وتُوظف العداء له كجزء من شرعيتها الداخلية والإقليمية، بينما تعتبر تل أبيب النفوذ الإيراني في المنطقة تهديداً وجودياً، خاصة في سوريا ولبنان وقطاع غزة”.
اقرأ أيضاً: إيران تطلق موجة جديدة من الصواريخ على إسرائيل – 963+
لكنه ينوّه، إلى أنه “في حال التوصل إلى اتفاق أو تفاهم، وهو احتمال ضعيف، فإن ما يمكن أن يُعرض على إيران قد يكون شبيهاً بما طُرح في إطار المفاوضات النووية، من حيث رفع جزئي أو تدريجي للعقوبات، وضمانات أمنية غير مباشرة، وتخفيف الضغط الإقليمي مقابل ضبط سلوكها في ملفات محددة كبرنامجها الصاروخي ودعم الجماعات المسلحة، لكن هذا يفترض تغييراً جوهرياً في موقفها، وتراجعاً عن استراتيجيتها التوسعية، وهو ما لا يبدو وارداً في ظل التوازنات الحالية داخل النظام الإيراني”.
وفي مقابل التصعيد الإسرائيلي والأميركي، أطلق المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي تصريحات تصعيدية، وكتب على حسابه في منصة “إكس” اليوم الأربعاء، إنه “يجب علينا الرد بقوة على النظام الصهيوني الإرهابي، لن نرحم الصهاينة”، وذلك بعد ساعات على قليلة على تصريحات ترامب بشأن إمكانية اغتياله.
ويرى مجالي، أن “نتيجة الحرب الدائرة بين إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، قد تكون عاملاً حاسماً في تشكيل النظام الدولي المستقبلي، حيث أن الأهداف الأميركية الإسرائيلية في التحكم بالمنطقة، لذلك نفذت واشنطن مجموعة من الإجراءات من ضمنها تطويق إيران ووضعها في عزلة عبر تحالفات إقليمية وصولاً إلى محاولة إسقاط نظامها السياسي”
في حال استمرار التصعيد وغياب أي اتفاق تهدئة أو سلام، فإن خيارات إيران ستبقى قائمة ولكنها ستواجه تقييداً متزايداً، خاصة مع اشتداد الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية. ورغم ذلك، لا تزال إيران تمتلك هامش مناورة في المنطقة، من خلال شبكة حلفائها وأذرعها المسلحة في لبنان وسوريا والعراق واليمن، وهو ما يمنحها أدوات تأثير متعددة، سواء للردع أو للضغط أو لتعديل ميزان القوى عند الضرورة.
إلا أن هذا الهامش ليس مطلقاً، فهناك تآكل تدريجي في قدرة طهران على استخدامه بفعالية، نتيجة تزايد الضربات الإسرائيلية في العمق السوري، وتراجع قدرة “حزب الله” على المبادرة من دون كلفة عالية، بالإضافة إلى تزايد الغضب الشعبي في العراق واليمن من النفوذ الإيراني، ناهيك عن الأزمة الاقتصادية الخانقة داخل إيران نفسها.
أما من جهة الولايات المتحدة، فهناك توازن دقيق في التعاطي مع إيران: واشنطن لا تسعى حالياً لإسقاط النظام الإيراني أو خوض حرب شاملة، لكنها في الوقت نفسه تعمل على تحجيم دوره الإقليمي وتقليص نفوذه، سواء عبر العقوبات أو من خلال دعم التحالفات الإقليمية المعادية له. في بعض الحالات، قد تكون هناك رغبة أميركية غير معلنة في الإبقاء على إيران كورقة ضغط في وجه أطراف أخرى كروسيا أو الصين، أو حتى كورقة تفاوض في الملفات الإقليمية، لكنها ليست ورقة يُسمح لها بالتحول إلى لاعب مهيمن.
بالتالي، إيران تجد نفسها في معادلة معقدة: لديها القدرة على الإرباك والمناورة، لكنها تواجه بيئة دولية وإقليمية تتجه نحو احتوائها لا نحو إعادة دمجها، ما يجعل خياراتها محدودة وهامشها آخذ بالتراجع ما لم تدخل في مراجعة استراتيجية حقيقية.










