لا يزال ملف الخصخصة الأكثر تعقيداً وممانعةً في سوريا، إذ عملت الحكومات المتعاقبة طوال عقود على دفعه إلى الأمام دون أن تتجرأ على اتخاذ قرارات حاسمة بشأنه؛ لا خصخصة، ولا تطوير، ولا تحرير له من مشاكله، الأمر الذي أدى إلى تفاقم مشاكله وتعقيدها حتى صار عبئاً على الدولة.
فالملف شائك، وأعداؤه ومعرقلوه كُثُر، وكلهم يتسلحون بنفس الحجة: أنه مال عام وملك للشعب، ويضم مئات الآلاف من العمال الذين لا يمكن التفريط والتضحية بهم. لذلك، لا تبدو فكرة “خصخصة” القطاع العام ممكنةً رغم إعادة طرحها بين الحين والآخر. ولسنوات طويلة، فُتح الملف وأُغلق على حلول وبرامج وحتى قوانين كانت في ظاهرها تشاركية، وفي باطنها خصخصة؛ إلا أن النتائج كانت دائماً مُعوَّمة، أي لا خصخصة ولا تشاركية، بل مزيد من التخلف والتقهقر في القطاع العام.
غالبية الاقتصاديين الذين عملوا في عهد الرئيس الهارب بشار الأسد كانوا من طالبي ومؤيدي “الخصخصة”، ولا شك في أن القطاع العام في سوريا كان يشكل الركيزة الاقتصادية الأهم إبان النظام الاشتراكي منذ عام 1963 وحتى عام 2000، حين حدث التحول نحو فكرة اقتصاد السوق الاجتماعي، الذي كان بداية تخلي الدولة عن دورها الأبوي والمسيطر على الاقتصاد لصالح القطاع الخاص وتوسيع نطاق استثماراته لتشمل قطاعات لم يكن مسموحًا له الخوض فيها.
كل ذلك تم عبر مجموعة من الإجراءات التي أدت إلى تدمير القطاع العام. في الحقيقة، لقد كان ذلك أسهل من خصخصته! وكانت النتيجة تمكين الفساد من القطاع العام، وإدارته بالتسلط والتفرد بالقرارات، وانتشار السرقات، الأمر الذي أوصله إلى مرحلة من الفشل الكامل.
اليوم، وبعد التحرير، أصبح لزاماً على الحكومة الجديدة التفكير في التحول من دولة راعية للقطاع العام إلى دولة تحاول الاستفادة منه لصالح الناس والاقتصاد الوطني من خلال “خصخصته” وفق برنامج واضح ومدروس بدقة، بحيث يمكن الانتقال بين التشاركية والبيع وفقاً لواقع كل منشأة، وبما يتيح الفرصة للكثير من المعامل التي يمكن أن تُدار بعقلية القطاع الخاص بما يمتاز به من مرونة وسعيٍ للربح.
أما المعامل المدمَّرة والتي لا أمل منها، فيمكن اللجوء إلى استثمار مواقعها والمساحات التي تشغلها لتقديمها كفرص استثمارية يمكن أن تجذب المستثمرين إليها. وأعتقد أن موقع الكثير من المعامل يشكل العامل الأهم الذي يمكن أن يجذب المستثمرين إليها، وهنا يجب أن تتنبه الحكومة إلى تقوية موقفها التفاوضي عند بيع الأراضي التي تشغلها بعض منشآت القطاع العام.
في الحقيقة، لدينا ميزتان للخصخصة يمكن التركيز عليهما في هذه العجالة:
- الأولى: الاحتكار الخاص بالقطاع العام.
- الثانية: المساحات والمواقع المميزة للمنشآت التي تقوم عليها مصانع القطاع العام.
في المقابل، هناك أسباب تجعل القطاع الخاص غير متشجع على شراء منشآت القطاع العام، ويمكن تلخيصها بعدة نقاط، أهمها:
- الفشل والترهل الإداري الذي يعاني منه القطاع العام.
- حجم البطالة المقنعة في القطاع العام، والتي تصل إلى مستويات عالية، حوالي 60% من مجموع العمال.
- قدم وسائل الإنتاج وعدم تحديثها لأكثر من عشرين عامًا، الأمر الذي أخرجها من الخدمة الفعلية والمنتجة.
- التسلط الإداري من قبل الجهات الوصائية على المرافق الإنتاجية، مما أدى إلى توقف الإنتاج وعرقلة تطوير المنتج.
وبالتالي، ومن وجهة نظري، لعل الحل الأمثل للقطاع العام في سوريا اليوم هو “الخصخصة”، لكن ضمن شروط محددة ومدروسة جيدًا تراعي مصلحة الدولة والشعب السوري، وتبتعد عن العشوائية والحلول المتسرعة.
وهذه الشروط هي:
- أولاً: الاهتمام ومراعاة وضع العمال في مختلف منشآت القطاع العام، وخاصة الإنتاجية، ومعالجة أوضاعهم بشكل لا يحولهم إلى عاطلين عن العمل، لما في ذلك من أخطار وانعكاسات اجتماعية خطيرة وغير محمودة.
- ثانياً: مراعاة استراتيجية التكامل الاقتصادي في القطاع العام الذي سيخضع للخصخصة، والغاية الأساسية التي أُنشئ من أجلها ذلك القطاع؛ والمقصود هنا الغاية الاجتماعية – الاقتصادية التي تهدف إلى التنمية على مستوى الدولة بشكل عام.
- ثالثاً، وهو الأهم من وجهة نظري: امتلاك القدرة التفاوضية القوية التي تمكّن الدولة من الحصول على بدل نقدي مناسب وعادل عند الشروع في أي عملية بيع ضمن إطار “الخصخصة”، بحيث يُدر دخلاً للدولة يُمكنها من توظيفه في عملية التنمية المطلوبة وإعادة الإعمار. وهنا أحذّر — وبشدة — من أن تتم الخصخصة بأثمان بخسة، دراهم معدودات!!










