تشهد الساحة اللبنانية تحولات جذرية تضع “حزب الله” أمام اختبار وجودي هو الأهم منذ حرب تموز 2006، في ظل تراجع مزدوج على المستويين العسكري والسياسي. فبينما يصر الحزب على تصوير المواجهات الأخيرة مع إسرائيل كـ”نصر استراتيجي”، تتكشّف أمام الداخل والخارج مؤشرات صلبة على التقهقر، سواء في القدرة الميدانية أو في الامتداد الشعبي الذي طالما شكل أحد أعمدة شرعيته.
تآكل القوة العسكرية… “المقاومة” في مأزق
المواجهة الأخيرة بين الحزب وإسرائيل لم تكن كسابقاتها. فوفق تقارير استخباراتية غربية، دمّرت الضربات الإسرائيلية الدقيقة والمركزة نحو 60% من البنية العسكرية للحزب في الجنوب اللبناني بحلول نهاية 2024، وشملت الأضرار مخازن صواريخ بعيدة المدى، ومنشآت إطلاق تحت الأرض، وأنظمة اتصالات مشفرة كانت تمثل العمود الفقري للعمليات المنسّقة. وقد انعكس هذا التآكل مباشرة على وتيرة العمليات، حيث تراجع معدل الإطلاق الصاروخي اليومي من نحو 50 إلى 15 صاروخاً، ما يشير إلى انكشاف تدريجي في قدرات الردع لدى الحزب.
الخسائر لم تكن مادية فقط. فقد أفادت مصادر دبلوماسية بمقتل ما يزيد عن 70% من القادة الميدانيين للحزب خلال الأشهر الستة الأخيرة، بعضهم من النخبة المتخصصة في الحروب السيبرانية وتطوير تكنولوجيا الطائرات المسيّرة. هذه الضربة النوعية أدت إلى فراغ تكتيكي، اضطرت معه قيادة الحزب إلى تغيير استراتيجيتها، بالاعتماد على هجمات الطائرات المفخخة، التي رغم إحداثها بعض الخروقات، إلا أن 30% منها أُسقطت قبل بلوغ أهدافها بفعل التقنيات الدفاعية الإسرائيلية المتطورة.
اقرأ أيضاً: نزع سلاح “حزب الله”.. ثلاثة سيناريوهات مرّة – 963+
صندوق الاقتراع… معركة شرعية جديدة
إذا كان الميدان لم يعد مضمون النتائج، فإن “حزب الله” يخوض معركة من نوع آخر في صناديق الاقتراع البلدية المنتظرة ربيع 2025. فقد أظهرت دراسة أجرتها “الشبكة العربية لمراقبة الانتخابات” تراجع شعبية الحزب في معاقله التقليدية، حيث انخفض التأييد له في الضاحية الجنوبية من 78% عام 2020 إلى 61% في آذار/مارس 2025.
هذا التراجع يعكس أزمة ثقة متراكمة، تعود في جزء كبير منها إلى تبعات العقوبات الدولية التي أفقدت الأسر المرتبطة باقتصاد الحزب ما يقارب 40% من دخلها، إضافة إلى إخفاق الإدارات البلدية التابعة له في معالجة أزمات النفايات، وانهيار البنية التحتية، وتنامي مشاعر الغضب من الزج بالشباب في أتون الحرب دون أي ضمانات اجتماعية أو مستقبلية.
تحالفات محلية تتحدى “الثكنة الحزبية“
في ظل هذا الواقع، تشكلت تحالفات محلية جديدة في 12 بلدية ذات غالبية شيعية، رافعةً شعار “البلدية ليست ثكنة عسكرية”. هذه التحالفات، التي تضم ناشطين مدنيين ورجال أعمال وأكاديميين، تطرح نفسها بديلاً عن بلديات الحزب المتهمة بالفساد وسوء الإدارة، وتعد بأن تكون إدارات محلية كفؤة بعيدة عن التسييس والارتباط بمحاور إقليمية. هذه المبادرات تلقى ترحيباً متزايداً بين المواطنين، خصوصاً الجيل الشاب المتضرر من الحرب والبطالة.
في المقابل، يسعى “حزب الله” إلى إعادة تعبئة قاعدته من خلال خطاب “المظلومية الشيعية”، الذي يُحمّل الخارج – وتحديداً الولايات المتحدة وإسرائيل – مسؤولية كل الأزمات، مستغلاً الانقسام الطائفي لتحويل الانتخابات إلى استفتاء على “الهوية الشيعية المقاومة”، لا على الأداء البلدي الفعلي.
بحسب تقديرات مراقبين، قد يحتفظ الحزب بـ60% فقط من بلدياته السابقة، مستنداً إلى التحشيد الطائفي والانضباط التنظيمي، لكن خسارة الـ40% المتبقية ستشكل زلزالاً سياسياً داخل بيئته، من شأنه أن يفتح الباب أمام سيناريوهات حساسة، منها انشقاق حلفائه التقليديين مثل “حركة أمل”، أو تحرّكهم لتشكيل كتل مستقلة تسعى للتمايز عن الحزب في الرؤية المحلية.
ثمة مخاوف من أن يلجأ الحزب إلى التصعيد العسكري مجدداً، عبر شن هجمات ضد إسرائيل بغرض تحويل الأنظار عن الخسارة السياسية، أو حتى السعي لإلغاء الانتخابات من أصلها بحجة “الظروف الأمنية”، ما من شأنه أن يدخل البلاد في دوامة جديدة من الانقسام والتأجيل.
اقرأ أيضاً: سوريا – لبنان: التداخل الطائفي والأمني وعامل “حزب الله” المفجر – 963+
تراجع الدور الإقليمي… وصدى التفاهمات الكبرى
الضغوط على “حزب الله” لا تأتي فقط من الداخل، بل أيضاً من تراجع دوره الإقليمي، بعد أن أصبح أكثر عزلة إثر ما وُصف بـ”انكشاف” المفاوضات السرية بين طهران وواشنطن في عمان، التي جرت في ذروة الحرب الإسرائيلية على غزة ومحور الممانعة. وبدا واضحاً أن إيران مستعدة للمساومة على أوراق نفوذها الإقليمية، بما فيها “حزب الله”، مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية عليها.
هذا الواقع الجديد، إلى جانب التعديلات المطروحة على القرار 1701 التي قد تفرض قيوداً أشد على تحركات الحزب في الجنوب، يضعه في موقع دفاعي غير معتاد، وسط أسئلة متزايدة داخل قواعده حول مستقبل “المقاومة” في ظل تغير أولويات الحلفاء.
الانتخابات البلدية المقبلة تمثّل لحظة مفصلية في مسار “حزب الله”، الذي يجد نفسه اليوم أمام مفترق طرق: إما التكيّف مع مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة شرعيته الشعبية من خلال تحسين أدائه المدني، أو الانزلاق إلى المزيد من العزلة، داخلياً وخارجياً، في حال أصرّ على خوض كل معاركه بالمنطق الأمني والعسكري.
إنها لحظة فاصلة في تاريخ الحزب الذي هيمن لعقود على المعادلة اللبنانية، ليس فقط بقوة السلاح، بل أيضاً بخطاب اجتماعي وسياسي بات اليوم على المحك. فهل يعيد الحزب التموضع ويخوض معركة شرعية جديدة بأدوات مدنية؟ أم يدفع بالأزمة نحو انفجار أكبر تتخطى تداعياته حدود لبنان؟










