تعاني سوريا من أزمة اقتصادية كبيرة على خلفية الحرب التي امتدت لأكثر من أربعة عشر عاماً، فاقمتها العقوبات الغربية المفروضة على البلاد، وانهيار العملة المحلية والبنية التحتية الأساسية في جميع القطاعات الزراعية والصناعية والتجارية والخدمات، وأصبحت معها فرص الاستثمار محدودة في ظل غياب الأمان المالي والاقتصادي، وتصدر اقتصاد الحرب للمشهد.
واستمر مشهد التدهور الاقتصادي حتى بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، في ظل عدم وضوح الرؤية بشأن المستقبل، وبقي السؤال مطروحاً حول المجالات الأكثر أماناً للاستثمار خلال هذه الفترة الانتقالية، وغياب المشاريع الكبيرة، والخيارات المتاحة أمام السوريين وخاصة الطبقة الوسطى التي تشكل الغالبية، في ظل الارتفاع الكبير في أسعار المعادن الثمينة التي تعتبر الوجهة الأكثر خلال الحروب والأزمات.
اقرأ أيضاً: الاسترداد خطوة أولى لمحاكمة الاستبداد
الذهب كملاذ آمن
و يُنظر إلى الذهب كملاذ آمن في ظل التقلبات الاقتصادية، بحسب دراسات وخبراء اقتصاديين، حيث أنه عندما ترتفع الأسعار، يزداد الإقبال على شراء الذهب كوسيلة للحفاظ على قيمة المدخرات، ومع ذلك، فإن هذا الارتفاع قد يؤدي إلى انخفاض القدرة الشرائية للمستثمرين الصغار، مما يحد من إمكانية دخولهم إلى هذا السوق.
وخلال السنوات التي أعقبت فرض الولايات المتحدة قانون “قيصر” على النظام السوري المخلوع عام 2020، وما تبعه من تدهور قيمة العملة وتدني مستوى المعيشة، كان الاستثمار في المجالات التي تشكل الاحتياجات الأساسية للسكان كالأغذية وغيرها هو الوجهة الأكثر للسوريين، إلى جانب انتعاش سوق العقارات والاستثمارات الصغيرة في المشاريع الإنتاجية مثل الصناعات الغذائية، نظراً للحاجة المستمرة لهذه المنتجات داخل السوق المحلي.
الاستثمار في الخدمات
المستشار المالي والاقتصادي السوري منير البرازي، المقيم في النرويج، يعتبر أن “أفضل استثمار أمام الشباب السوري اليوم هو في مجال الخدمات، التي لا تتطلب رؤوس أموال كبيرة ومن الأمثلة على ذلك شركات خدمات التسويق، حيث أن كل الشركات تحتاج إلى تسويق ما تنتجه، وكذلك خدمات الصيانة المنزلية والتنظيف وغيرها من المشاريع التي لا تتطلب رؤوس أموال كبيرة”.
لكنه يعتقد أنه “لن يحصل تحسن كبير في الاقتصاد السوري نتيجة المشاريع الصغيرة، لأن هذه المشاريع تكفي لتحقيق دخل لأصحابها لكن أثرها على دوران العجلة الاقتصادية محدود، لكن في حال تحسن المناخ الاستثماري وتدفق رؤوس الأموال، فإن شركات قليلة كبيرة برؤوس أموال ضخمة لتدوير عجلة الاقتصاد بشكل ملحوظ وتحريك قطاعات بأكملها”.
ويؤكد خلال تصريحات لموقع “963+”، أنه “رغم قسوة العقوبات المفروضة على سوريا، إلا أنها لا تمثل عائقاً أمام جميع المشاريع، حيث أنه يمكن تقديم الخدمات للشركات خارج البلاد، وتحويل الأموال واستلامها بالعملات الرقمية، وهو ما قد يمثل إحدى الوسائل القليلة للشباب السوري لتحويل الأموال رغم قلة نضجها”.
اقرأ أيضاً: ما بعد الحرب.. كيف تبني سوريا ما عجز عنه لبنان؟
وعلى مدى سنوات الأزمة، شهد الاستثمار في مجال الطاقة الكهربائية عبر الإتجار وتشغيل المولدات إقبالاً كبيراً من قبل متوسطي الدخل في سوريا، لكن في المناطق التي خارج سيطرة النظام المخلوع، الذي كان يحظر انتشارها في مناطقه، حيث أصبحت أحد أبرز المستوردات إلى جانب قطعها الأساسية إلى البلاد، وساعد على تنميتها تشجيع السلطات المحلية سواء في شمال غرب أو شمال شرقي سوريا.
الاستثمار في الاقتصاد الكلي
يقول الأكاديمي المتخصص في السياسات الاقتصادية بالأسواق الدولية يوسف إبراهيم، إن “الاستثمار على صعيد الاقتصاد الكلي يعتبر هو الحل الأمثل لتحقيق تعاف متسارع ومستدام، حيث أن المشاريع الإنتاجية (سلعاً وخدمات) بعض النظر عن حجمها، تعيد بناء شبكة العلاقات الإنتاجية، وتخلق أنشطة اقتصادية موازية تساهم في توفير فرص عمل جديدة، وتضخ قيماً اقتصادية حقيقية في السوق”.
ويشير، إلى أن “قرار الاستثمار بالنسبة للأفراد، سواءً من يملكون مدّخرات صغيرة أو رؤوس أموال متوسطة، يعد خياراً مثالياً رغم ما يحمله من مخاطر، خاصةً في ظل محدودية القدرة على الوصول إلى الأسواق المالية العالمية، مما يحرمهم من أدوات حماية المدخرات التقليدية كالودائع وأذون الخزانة”، لافتاً خلال تصريحات لـ”963+”، إلى أن “خيار الادّخار بالذهب يبقى حلاً آمناً لصغار المدخرين، رغم ارتفاع سعره وتسجيله مستويات تاريخية منذ بداية العام الجاري”.
مشاريع صغيرة
وبعد سقوط النظام، تحدثت تقارير ومواقع اقتصادية عن المجالات الأفضل للاستثمار في سوريا خلال هذه الفترة، وطرح خبراء مشاريع صغيرة قد تكون ملاذاً جيداً كمطاعم الوجبات السريعة التي تحقق أرباحاً كبيرة ولا تتطلب رأس مال كبير، إلى جانب مشاريع التنظيف والإكسسوارات التي تعتمد على قدرات صاحب المشروع في تصنيعها، إضافةً للتجارة عبر الإنترنت عبر استغلال التطور التكنولوجي، دون الحاجة إلى رأس مال كبير.
وتبقى المشاريع الاقتصادية التي تحقق عائداً يفوق معدلات التضخم، هي الخيار الأنسب لأولئك الذين يسعون لحماية القيمة الحقيقية لمدخراتهم، خصوصاً أن السوق المحلي متعطش لمعظم السلع والخدمات، بحسب إبراهيم، الذي يرى أن “المشاريع الصغيرة والمتوسطة يجب ألا تتأخر، ودعم هذه المشاريع قد يكون هو الطريق الأسرع لتحريك عجلة الاقتصاد، رغم العقوبات والحاجة إلى الدعم ورؤوس الأموال”.
اقرأ أيضاً: الاستثناءات.. هل هي بديل عن رفع العقوبات على سوريا أم مقدمة له؟
ويشدد، على أن “تشجيع السوريين على إنشاء مشاريعهم الصغيرة والمتوسطة يوفر دخلاً أعلى وأكثر استقراراً مقارنة بالاعتماد على الرواتب، كما يخلق دخولاً متنوعة وقيم مضافة للاقتصاد، وهناك مجالات واسعة يمكن للسوريين الاستثمار فيها دون الحاجة إلى تمويل ضخم أو استيراد مكثف، فالقطاع الخاص على سبيل المثال، بمصادر تمويله المحلية، قادر على تمويل أنشطة إنتاجية وزراعية وخدمية صغيرة ومتوسطة دون عوائق كبيرة”.
ويوضح، أن “هذه المشاريع وإن بدت متواضعة، قادرة على تحسين مستوى الدخل الفردي بشكل أسرع وأفضل من انتظار تحسن الرواتب، مع تحقيق مردود يتفوق غالباً على متوسط الرواتب الحالية في القطاعين العام والخاص”، مؤكداً أن “استثمار الجهود في بناء قاعدة اقتصادية محلية نشطة هو الخيار الأجدى للسوريين في هذه المرحلة، سواءً تأخر رفع الرواتب أم لم يتأخر، لأن انتظار الحلول الخارجية قد يطيل أمد المعاناة”.
ودفع “اقتصاد الحرب” الكثير من السوريين إلى الاستثمار في مجالات جديدة متاحة رغم ما تحمله من مخاطر حياتية وبيئة وصحية، كالتكرير البدائي للنفط عبر “الحراقات”، التي هي عبارة عن وعاء من الحديد السميك إسطواني الشكل، يوضع بداخلها النفط ويعرض لدرجات حرارة عالية وصولاً إلى استخراج المشتقات منه، بطرق خطيرة جداً، وذلك بعد خروج حقول النفط عن سيطرة النظام المخلوع في بعض المناطق وسيطرة فصائل عليها، وعدم توفر مصافي تكرير.
وإلى جانب ذلك، برز مشروع آخر عمل عليه السوريون على مدى سنوات الأزمة ولازالوا في أغلب المناطق، خاصة التي شهدت أعمال عسكرية، يتمثل في التجارة بالمواد المعدنية “الخردوات” من نحاس وبافون وغيرها، وما يتبع ذلك من مخاطر انفجار الألغام ومخلفات الحرب غير المنفجرة، حيث سجلت عشرات الضحايا جراء ذلك، إلى جانب ضحايا العمل في وسائل تكرير النفط البدائية.
وكان تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في شباط/ فبراير الماضي، قد كشف أن خسائر الناتج المحلي السوري بلغت منذ اندلاع الأزمة نحو 800 مليار دولار، مشيراً إلى أن تسعة من كل عشرة سوريين يعيشون تحت خط الفقر، فيما تضاعفت معدلات البطالة ثلاث مرات، إذ أصبح واحد من كل أربعة سوريين عاطلاً عن العمل الآن، في حين فاقم تدهور البنية التحتية العامة بشكل كبير من آثار الصراع.










