تعد مسألة نظام الحكم وتوزيع السلطات في أي دستور جديد قضية حاسمة، خاصة عند الانتقال من الاستبداد إلى الديموقراطية. في الحالة السورية، يتطلب تصميم هذا النظام معالجة دقيقة تراعي خصوصية المجتمع السوري والتجارب السابقة. كما يجب إرساء آليات رقابية فعالة تحافظ على التوازن بين السلطات.
يعد اختيار النظام السياسي من القضايا الجوهرية التي ستحدد مستقبل البلاد. هناك ثلاثة خيارات رئيسية: النظام الرئاسي (انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب بسلطات واسعة قد يؤدي إلى الاستبداد)؛ والنظام البرلماني (برلمان منتخب كجهة حاكمة رئيسية، قد يسبب عدم استقرار الحكومات في ظل التعددية السياسية)؛ والنظام المختلط (انتخاب الرئيس مباشرة بصلاحيات محدودة، فيما يكون رئيس الوزراء مسؤولًا أمام البرلمان).
واللامركزية مهمة في الدستور السوري الجديد، فهي ضرورية لضمان التمثيل العادل للمناطق السورية. وتشمل اللامركزية الإدارية (تمنح المحافظات سلطات في إدارة شؤونها المحلية مع إبقاء القرارات السيادية بيد الحكومة المركزية)، واللامركزية السياسية أو الفيدرالية (تمنح الأقاليم سلطات تشريعية وإدارية واسعة، قد تؤدي إلى انقسامات إذا لم تُصمم بعناية)، والكونفدرالية (تمنح الأقاليم استقلالية شبه كاملة، قد تضعف التنسيق مع الحكومة المركزية، وهي غير ملائمة لسوريا).
لضمان نجاح أي نموذج حكم في سوريا المستقبلية، يجب وضع ضمانات دستورية صارمة، تشمل استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية، وتحديد إطار قانوني يحمي حقوق الإنسان والحريات العامة، وإرساء دستور مستدام يحظى بتوافق واسع، إلى جانب إصلاح أمني وعسكري يضمن عدم تدخل الجيش في السياسة وإخضاع الأجهزة الأمنية للرقابة المدنية.
يؤكد نوار نجمة، عضو مؤتمر الحوار الوطني في دمشق، لصحيفتنا أن النظام الرئاسي هو الأنسب لسوريا، مشدداً على ضرورة انتخاب الرئيس والبرلمان من الشعب مباشرة، مع تشكيل الحكومة بناءً على الأغلبية البرلمانية، “وإجراء انتخابات حرة ونزيهة يساهم في بناء دولة تقوم على الحريات، وتبتعد عن الاستبداد”، مشيراً إلى أن تعزيز اللامركزية في الحكم بمنح المحافظين صلاحيات واسعة وإجراء انتخابات نزيهة للمجالس المحلية، يمثل عاملاً أساسياً في تحقيق الاستقرار السياسي.
من جانبه، يقول الباحث في العلوم السياسية عبد الناصر القادري لصحيفتنا إن “النظام الرئاسي هو الخيار الأفضل للمرحلة الحالية، نظراً إلى التحديات الأمنية والاقتصادية التي تتطلب وجود قيادة قوية”، مشيراً إلى أن استقرار سوريا يعتمد على نجاح الحكومة في تنفيذ الاتفاقات السياسية والاقتصادية، “والفشل في ذلك يزيد التحديات المستقبلية”.
ويرى متخصصون في العلوم السياسية أن على منظومة الحكم في سوريا المستقبلية أن تستند إلى التوازن بين السلطات، وضمان المشاركة السياسية العادلة، واعتماد نموذج حكم مختلط يحقق الاستقرار والديمقراطية. كما أن تبني اللامركزية الإدارية الموسعة ضروري لضمان التنمية المتوازنة وتمثيل جميع المكونات في صنع القرار دون تهديد وحدة الدولة.










