في حي الميدان العريق بدمشق، جلس سمير المحمد (65 عاماً) أمام منزله يحتسي الشاي، عندما تسلل إلى أذنه صوت مألوف غاب عنه منذ أكثر من عقد؛ “مازوت، مازوت!” رفع رأسه مبتسماً، وكأنه استعاد جزءاً من ذاكرته التي كاد أن ينساها. صوت البائع المتجول لم يكن مجرد نداءٍ تجاري، بل كان إعلاناً غير مباشر بأن شيئاً ما قد تغيّر.
ويقول المحمد لموقع “963+”: “منذ 17 سنة لم أسمع هذا الصوت في شوارع دمشق. كنت أستيقظ صباحاً وأسمعه في كل زقاق، لكن الحرب والأزمة جعلت المازوت سلعة نادرة تُشترى بصعوبة عبر الطوابير أو السوق السوداء”.
لم يتمالك الرجل نفسه فخرج مسرعاً ليستقبل بائع المازوت الجوال، وكأنه يرحب بصديق قديم عاد بعد غياب. وقف مع الجيران الذين تجمعوا حول الصهريج، يملأون غالوناتهم بسعر أقل مما اعتادوا دفعه سابقاً، حيث بلغ 9000 ليرة سورية لليتر الواحد (ما يعادل 0.95 سنتاً أميركيا).
“اليوم، أستطيع شراء المازوت مباشرة، دون وساطة أو انتظار الرسائل الحكومية. هذه نعمة كبيرة”، يضيف المحمد بينما يملأ خزان مدفأته.
تحولات اقتصادية واجتماعية تفتح الباب لعودة الخدمات
بعد تسلّم الإدارة السورية الجديدة للمرحلة الانتقالية، شهدت شوارع وأحياء دمشق والمناطق التي كانت تحت سيطرة النظام السوري السابق الذي سقط في الثامن من شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي، عودة ظاهرة بيع المازوت والغاز بشكل علني، بعد غياب دام أكثر من 17 عاماً. هذا التطور يعكس التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على البلاد في الفترة الأخيرة.
ومن بين أسباب عودة هذه الظاهرة، يأتي تحرير السوق في المقدمة. مع التغيرات السياسية، تم تحرير العديد من القطاعات الاقتصادية، مما سمح للأفراد ببيع المحروقات بشكل مستقل دون القيود السابقة.
كما أن زيادة الطلب لعبت دوراً رئيسياً في عودة هذه الظاهرة. نظراً للصعوبات التي واجهها المواطنون في الحصول على المحروقات خلال السنوات الماضية، فكانت حصة العائلة الواحدة من مادة مازوت التدفئة 50 ليتراً طوال فصل الشتاء
إضافة إلى ذلك، فإن غياب الرقابة السابقة ساهم في انتشار هذه الظاهرة. مع انهيار النظام السابق، تلاشت القيود والرقابة الصارمة التي كانت مفروضة على بيع المحروقات، مما أتاح المجال لانتشار هذه التجارة بشكل واسع.
صوت الدق على أسطوانات الغاز يعيد ذكريات الطفولة
في أحد أزقة حي صلاح الدين بحلب، استيقظت فاطمة البكر (50 عاماً) على صوت دقات معدنية متتالية، تبعها نداء مألوف: “غاز… غاز!” نهضت من سريرها مسرعة نحو النافذة، وكأنها عادت طفلة صغيرة تنتظر البائع المتجول الذي لطالما مر أمام منزل أهلها في الماضي.
تقول البكر لـ”963+”، ودموع الفرح تلمع في عينيها: “منذ سنوات طويلة، اختفى هذا الصوت من شوارع حلب. كنا ننتظر الغاز عبر البطاقة الذكية، وأحياناً نحتاج لأشهر حتى تصلنا الأسطوانة، وإن أردنا شراءها فوراً، فالسعر كان خيالياً حيث تجاوز الـ400 ألف ليرة سورية!”.
خرجت أم أحمد إلى البائع المتجول الذي كان يدفع عربة صغيرة تحمل عدة أسطوانات غاز، فاختارت إحداها وهي تضحك قائلة: “هذا المشهد يعيدني لزمن الطفولة، حين كنا نركض خلف البائع ونساعده في طرق الأسطوانات لنعرف إن كانت ممتلئة!”.
أسعار المازوت والغاز
في الأسواق الرسمية، حددت وزارة النفط والثروة المعدنية الأسعار الجديدة للمحروقات على النحو التالي: بلغ سعر لتر المازوت 0.95 دولار أميركي، بينما وصلت أسطوانة الغاز المنزلي إلى 11.8 دولار أميركي.
وهذه الأسعار تم تطبيقها بدءاً من 4 شباط/ فبراير 2025. أما في الأسواق والشوارع، فقد تختلف الأسعار بناءً على العرض والطلب، بالإضافة إلى تكاليف النقل والتوزيع. على سبيل المثال، في بعض مناطق دمشق، كان سعر لتر المازوت يصل إلى 22 ألف ليرة سورية قبل التغيير السياسي، بينما انخفض حالياً إلى ما بين 9 و11 ألف ليرة. كما انخفض سعر أسطوانة الغاز سعة 16 كيلوغراماً من مليون ونصف ليرة إلى 600 ألف ليرة.
وكان لهذه الظاهرة العديد من الإيجابيات، منها توفير فرص عمل جديدة للعديد من الأفراد، حيث أدى السماح ببيع المحروقات بشكل حر إلى خلق أعمال جديدة في قطاع التوزيع والنقل. بالإضافة إلى ذلك، أصبح بإمكان المواطنين الحصول على المازوت والغاز بسهولة أكبر مقارنة بالفترات السابقة، مما سهل حياتهم اليومية.
ومع ذلك، لم تخلُ هذه الظاهرة من السلبيات. فقد أدى غياب الرقابة على الجودة إلى بيع منتجات ذات جودة منخفضة أو غير مطابقة للمواصفات. كما أن تعدد البائعين ساهم في تفاوت كبير في الأسعار، مما تسبب في ارتباك المستهلكين عند الشراء.
وعبّر العديد من السوريين عن سعادتهم بعودة هذه الظاهرة، حيث أصبحت أصوات الباعة المتجولين للمازوت والغاز مألوفة في الشوارع، مما يسهل عليهم الحصول على احتياجاتهم اليومية دون عناء.
ومع استمرار هذه الظاهرة، قد تظهر تحديات تتعلق بتنظيم هذا القطاع وضمان جودة المنتجات المقدمة للمستهلكين، بالإضافة إلى ضرورة وضع آليات رقابية لضمان سلامة وأمان عمليات البيع والتوزيع.
وتعكس عودة بيع المازوت والغاز في شوارع دمشق التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها البلاد بعد المرحلة الانتقالية، مع التأكيد على أهمية التوازن بين تحرير الأسواق وضمان حقوق وسلامة المستهلكين، بحسب مراقبين.










