شهدت قمة لجنة الاتصال الوزارية العربية حول سوريا، التي انعقدت في العقبة أمس السبت، توافقاً على محاور رئيسية لدعم الشعب السوري وإطلاق عملية انتقالية جامعة برعاية أممية، وسط تباينات في المواقف حول دور الإسلاميين ومستقبل النظام السياسي في البلاد. وبينما أكدت التصريحات الرسمية على ضرورة بناء دولة ديمقراطية حديثة تحفظ وحدة سوريا، أبدت بعض الأطراف مخاوف من صعود جماعات متطرفة قد تهيمن على المشهد.
وانعقد في مدينة العقبة اجتماع هو الأول من نوعه للجنة الاتصال الوزارية العربية المعنية بسوريا، منذ سقوط نظام الرئيس بشار الأسد. الاجتماع، الذي شهد حضور وزراء خارجية الأردن، السعودية، العراق، لبنان، ومصر، إضافة إلى وزراء الإمارات، البحرين، وقطر، وأمين عام جامعة الدول العربية، صدر عنه بيان ختامي أشار إلى محاور رئيسية لدعم سوريا، وسط تباينات واضحة حول دور الإسلاميين وشكل النظام السياسي المستقبلي.
محاور البيان الختامي
أكد البيان الختامي احترام إرادة وخيارات الشعب السوري، مشدداً على ضرورة إطلاق عملية انتقالية سلمية جامعة ترعاها الأمم المتحدة والجامعة العربية وفقاً لقرار مجلس الأمن 2254. وأبرز البيان أهمية تشكيل هيئة حكم انتقالية تمثل جميع القوى السياسية والاجتماعية السورية دون تمييز، مع مراعاة تمثيل المرأة والشباب ومنظمات المجتمع المدني، لضمان صياغة دستور جديد وانتخابات حرة ونزيهة.
وأضاف البيان: “نؤكد على ضرورة الوقف الفوري لجميع العمليات العسكرية، والعمل على ضمان العدالة والمساواة لجميع المواطنين دون تمييز، مع الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية وتعزيز دورها في خدمة الشعب.”
تصريحات داعمة وأخرى ناقدة لمسار الحل
قال هاني الجمل، رئيس وحدة الدراسات الدولية بمركز العرب في مصر، لموقع “963+” بأن “اللجنة وضعت خارطة طريق طموحة لدعم التحول الديموقراطي في سوريا”، معتبراً أن “المرحلة الحالية مفصلية في تاريخ سوريا، حيث تسعى اللجنة إلى تأسيس نظام سياسي جديد يلبي تطلعات الشعب السوري”.
وأكد الجمل، على أن التوصيات الصادرة تتضمن صياغة دستور شامل، وإنشاء نظام سياسي قد يكون رئاسياً، برلمانياً أو كونفدرالياً. لكنه لفت إلى أن “هناك تحدياً كبيراً يتمثل في قبول الأطراف الإقليمية لهذا التحول، خاصة مع اختلاف الرؤى حول أدوار بعض الفصائل المسلحة”.
وأشار الجمل إلى وجود ضغوط غربية لدعم بعض الجماعات الخارجة عن التصنيف “الإرهابي”، وقال: “إذا حظيت هذه الجماعات بشرعية دولية، فإن ذلك قد يعكس رغبة أميركية وأوروبية في فرض نموذج معين لسوريا الجديدة، بما يتماشى مع المصالح الغربية والتركية”.
اقرأ أيضاً: مؤكدة دعم الانتقال السياسي.. لجنة الاتصال العربية تنهي اجتماعها بشأن سوريا – 963+
خلافات حول دور الإسلاميين و”هيئة تحرير الشام”
في تطور لافت، ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، أن بعض الدول العربية، بما فيها الإمارات والأردن ولبنان، أعربت عن خشيتها من احتمال هيمنة الإسلاميين على الحكومة السورية المقبلة. وقال ديبلوماسي لبناني: “التهديد الأكبر يتمثل في صعود جماعات متطرفة إلى الحكم، وهو أمر يهدد استقرار المنطقة برمتها، خاصة مع سجل هذه الجماعات في إدارة المناطق التي خضعت لسيطرتها”.
من جهتها، تبدو السعودية وقطر أكثر مرونة إزاء احتمال مشاركة “هيئة تحرير الشام”، حيث أبدت بعض الدول الإقليمية، بما فيها تركيا، استعداداً للتعاون مع الهيئة إذا أظهرت التزاماً بالمبادئ الدولية.
وأكد وزير الخارجية التركي خلال الاجتماع: “لا يمكن تجاهل دور بعض الجماعات المسلحة التي كانت جزءاً من إسقاط النظام السابق، لكن يجب أن نضمن عدم استغلال هذا الدور لتعزيز أجندات متطرفة”.
أما الصحفية والباحثة السياسية الأردنية سارة سويلم، فقد انتقدت التحركات الديبلوماسية لبعض الدول العربية، ووصفتها بأنها “محاولة للالتفاف على مكتسبات الثورة السورية”.
وقالت سويلم لـ”963+”: “بعض الأنظمة العربية تسعى لفرض وصاية على سوريا بحجة مكافحة التطرف. هذه السياسات تعرقل أي فرصة لنجاح تجربة ديموقراطية حقيقية في سوريا”.
وأكدت أن ضمان استقرار سوريا لا يمكن تحقيقه دون محاسبة مرتكبي الجرائم في سجون الأسد.
تصاعد الدور الدولي ومخاوف من الهيمنة الأجنبية
على الصعيد الدولي، أكد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، أن بلاده على اتصال مباشر مع “هيئة تحرير الشام”، محذراً من العزلة الدولية إذا لم تلتزم الهيئة بالمبادئ الأساسية، بما في ذلك حماية الأقليات، تدمير مخزون الأسلحة الكيميائية، وعدم استخدام سوريا كقاعدة لتهديد دول الجوار.
وقال بلينكن: “إن الالتزام بهذه الشروط هو الحد الأدنى لضمان استقرار المنطقة ومنع تصاعد التوترات الإقليمية”.
وتطرق رمزي خوري، الإعلامي وعضو اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية في الأردن، إلى أهمية معالجة التدخلات الأجنبية. وقال لـ”963+”: “جامعة الدول العربية والأمم المتحدة مطالبتان بضبط التدخلات الخارجية، لأن استمرار هذه التدخلات يعوق بناء الدولة السورية الديموقراطية”.
وأشار خوري، إلى أن “حل التنظيمات المسلحة وإعادة دمج مقاتليها يمثلان شرطين أساسيين لنجاح أي عملية انتقالية”.
وأوضح خوري: “التحديات الكبرى التي تواجه الدولة الجديدة تشمل صياغة دستور عصري يضمن المساواة الكاملة لجميع المواطنين، وتأسيس أحزاب مدنية ذات برامج واضحة قادرة على قيادة سوريا نحو الاستقرار”.
اقرأ أيضاً: صحيفة: دول عربية “ترفض هيمنة الإسلاميين” على سوريا – 963+
الانقسام حول شكل النظام السياسي
أثارت المناقشات خلال الاجتماع خلافات حول شكل النظام السياسي المستقبلي في سوريا. ففي الوقت الذي تدعو فيه بعض الدول إلى نظام مركزي يضمن وحدة الأراضي السورية، يفضل آخرون نموذجاً فيدرالياً يسمح بتوزيع السلطات بشكل عادل.
وقال خوري: “التوافق على شكل الدولة ليس أمراً سهلاً، لكن يجب تجنب أي نموذج قد يؤدي إلى تقسيم سوريا أو إضعافها”.
في المقابل، يرى الجمل، أن “إعادة بناء النظام السياسي في سوريا يتطلب توافقاً دولياً وإقليمياً أكبر”. وأشار إلى أن “تركيا تسعى لتوسيع نفوذها من خلال دعم بعض الجماعات المسلحة”، قائلاً: “التواجد التركي في سوريا أصبح واقعاً لا يمكن تجاهله، سواء عبر السفارة التركية التي أعيد افتتاحها، أو من خلال دعم جماعات معينة. هذا الدور سيؤثر حتماً على مستقبل سوريا”.
كما أدان البيان الختامي الغارات الإسرائيلية على المناطق السورية، مشيراً إلى أنها تنتهك القوانين الدولية. وطالب مجلس الأمن بالتدخل لوقف هذه الاختراقات.
وحول ذلك، أكد الدكتور الجمل أن “الدعم العربي للشعب السوري يجب أن يشمل التصدي لهذه الانتهاكات وضمان حق السوريين في استعادة أراضيهم المحتلة”.
الشعب السوري في صلب المعادلة
في ختام الاجتماع، شدد المجتمعون على أهمية الدعم الإنساني للشعب السوري، بالتعاون مع منظمات الأمم المتحدة، لتهيئة الظروف الأمنية والسياسية اللازمة لعودة اللاجئين.
وعليه أكد الديبلوماسي المصري، على أن “الشعب السوري بجميع مكوناته هو الرقم الأصعب في المعادلة. نجاح العملية الانتقالية يعتمد على تمكين السوريين أنفسهم من بناء دولتهم الجديدة بعيداً عن أي وصاية خارجية”.
وفي سياق متصل، أشارت سويلم إلى أن “تجربة السوريين ملهمة، لكن استمرار التدخلات الخارجية يهدد بإطالة أمد المعاناة. لا يمكن تحقيق استقرار سوريا إلا بإرادة داخلية حقيقية تدعمها جهود دولية صادقة”.










