في سياق الجدل الدائر حول مستقبل سوريا، برزت تساؤلات عديدة عن أسباب استبعاد الائتلاف الوطني السوري المعارض، من المشاركة في الحكومة المؤقتة التي يديرها محمد البشير، التي يُفترض أن تدير البلاد خلال المرحلة الانتقالية بعد سقوط نظام بشار الأسد. هذا القرار أثار انتقادات واسعة وسلط الضوء على تحديات التنسيق السياسي في هذه المرحلة الحساسة.
وفي بيان صدر مؤخراً، دعا الائتلاف الوطني السوري إلى العمل على انتقال السلطة إلى هيئة حكم انتقالية ذات سلطات تنفيذية كاملة، كخطوة نحو بناء سوريا ديمقراطية حرة وتعددية. وأكد الائتلاف حرصه على سلامة الدول المجاورة وأمنها، مع تطلعه إلى بناء شراكات استراتيجية لدعم إعادة إعمار سوريا لجميع أبنائها.
وفي تصريحات خلال منتدى الدوحة، قال رئيس الائتلاف، هادي البحرة، إن المرحلة الانتقالية تحتاج إلى فترة 18 شهراً لضمان بيئة آمنة وحيادية تُجرى فيها انتخابات حرة. كما أشار إلى ضرورة وضع مسودة دستور جديد خلال ستة أشهر، تُطرح للاستفتاء قبل إجراء انتخابات تحدد شكل نظام الحكم في سوريا، سواء كان برلمانياً أو رئاسياً أو مختلطاً.
غياب التشاور مع الائتلاف: قرارات أحادية وإقصاء سياسي
أعرب نائب رئيس الائتلاف، عبد المجيد بركات، في تصريحات صحفية، عن استيائه من غياب أي تشاور مع الائتلاف في تشكيل الحكومة الجديدة، واصفاً ذلك بأنه يعكس إدارة “الأمر الواقع” من قبل الفصائل المسلحة.
وأكد بركات أن أي عملية انتقال سياسي حقيقية يجب أن تستند إلى القرار الدولي 2254، الذي يتضمن تشكيل هيئة حكم انتقالية، ووضع دستور جديد، وإجراء انتخابات ديمقراطية.
وأشار بركات إلى أن استبعاد الائتلاف قد يُعقّد جهود بناء نظام سياسي يتيح للسوريين اختيار قادتهم بحرية. وقال: “الشعب السوري يجب أن يكون صاحب القرار النهائي في تحديد شكل نظام الحكم واختيار زعمائه”.
وقالت مصادر داخل الائتلاف إن الحكومة الجديدة ترتبط بشكل وثيق بالفصائل التي تسيطر على إدلب، مما يجعلها تمثل مصالح تلك الفصائل بدلاً من أن تكون حكومة شاملة لكل السوريين.
اقرأ أيضاً: حكومة انتقالية بملامح متباينة… إلى أين تتجه سوريا الجديدة؟ – 963+
وأعلنت “هيئة تحرير الشام”، قبل أيام، تكليف المهندس محمد البشير برئاسة حكومة انتقالية حتى آذار/ مارس 2025، وجاء قرار تكليف البشير خلال اجتماع ضم القائد العسكري أحمد الشرع (المعروف سابقاً بأبو محمد الجولاني)، ومحمد الجلالي، رئيس وزراء حكومة النظام السابقة، إلى جانب محمد البشير.
وأنهت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة، على دمشق، 53 عاماً من سيطرة عائلة الأسد على السلطة، وفر الأسد الابن وعائلته إلى روسيا التي أعلنت منحهم حق اللجوء لأسباب إنسانية.
وفجر الأحد الماضي، سيطرت المعارضة المسلحة على العاصمة دمشق بعد انسحاب قوات النظام السوري السابق من المؤسسات العامة. هذه اللحظة التاريخية شهدت نهاية حكم حزب البعث الذي استمر لأكثر من ستة عقود.
الباحث التركي إسلام أوزكان أشار في حديث لموقع “963+” إلى أن “تركيا، الداعم الرئيسي للفصائل المسلحة، لعبت دوراً غير مباشر في دعم هذه الترتيبات، لكنها تسعى لاحقاً إلى تحقيق توازن مع المجتمع الدولي، خصوصاً أن هيئة تحرير الشام ما زالت مصدر قلق للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي”.
انتقادات لأداء الائتلاف: فجوة بين المعارضة والشعب
على الجانب الآخر، وجه عصام زيتون، مؤسس مبادرة السلام السورية، انتقادات شديدة للائتلاف، معتبراً أنه “فشل في تحقيق أي إنجازات تذكر منذ تأسيسه قبل 12 عاماً”.
وأكد زيتون في حديث لـ”963+” أن “الشعب السوري أصبح بعيداً عن الائتلاف بسبب عجزه عن التفاعل مع همومهم أو تحقيق أهداف الثورة”. ويضيف: “لم يحرر الائتلاف شبراً واحداً من سوريا، ولم يطلق سراح أي معتقل، ولم ينجح في تقديم رؤية واضحة للمستقبل”.
وفي ظل هذه الانقسامات، تسود مخاوف من أن يؤدي غياب التنسيق بين القوى السياسية والعسكرية إلى مرحلة انتقالية مضطربة. ترى الفصائل المسلحة أن استبعاد الائتلاف “قد يكون ضرورياً لتجنب التعقيدات السياسية والتركيز على الحفاظ على الاستقرار في المناطق التي تسيطر عليها”. ومع ذلك، فإن غياب رؤية موحدة بين المعارضة والفصائل المسلحة قد يعمق الانقسامات، مما يهدد بعرقلة أي انتقال سياسي حقيقي، بحسب المحلل التركي.
اقرأ أيضاً: الاتحاد الأوروبي يحذر من “تحديات هائلة” تواجه العملية الانتقالية بسوريا – 963+
وتلعب التوجهات الإقليمية والدولية دوراً كبيراً في رسم معالم المرحلة الانتقالية في سوريا.
وقال أوزكان، المقيم في إسطنبول، بأن “تركيا دعمت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) سراً منذ تأسيسها، وأن هذا الدعم ما زال مستمراً”. ومع ذلك، أوضح أن “تركيا لا تسعى لأن تتولى الهيئة حكم سوريا”، مشيراً إلى وجود أسباب استراتيجية تمنع ذلك.
وأوضح أوزكان أن “الهيئة كانت أداة مفيدة لتركيا في الماضي بسبب أيديولوجيتها السلفية الجهادية، لكنها قد تصبح عبئاً مع بدء عملية إعادة إعمار البلاد”.
وأضاف أن الدعم التركي للهيئة “جزء من مرحلة انتقالية لمنع الفوضى، خاصة وأن الهيئة تبدو حالياً القوة الوحيدة القادرة على تحقيق الأمن في بعض المناطق”. إلا أنه يرى أن “شخصيات من المجلس الوطني السوري قد تتولى السلطة في المستقبل بدعم من أنقرة”.
في المقابل، يسعى المجتمع الدولي إلى تحقيق توازن يضمن استقرار سوريا دون تمكين أي فصيل بعينه من الهيمنة.
وكان قد حذر الاتحاد الأوروبي، قبل يومين من “التحديات الهائلة” التي تواجه العملية الانتقالية الجارية في سوريا بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد.
وقالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال جلسة استماع أمام البرلمان الأوروبي الثلاثاء: “نناشد السوريين بعدم تكرار السيناريوهات المرعبة التي حدثت في العراق وليبيا وأفغانستان”.
وشدد أعضاء مجلس الأمن الدولي خلال اجتماعهم الطارئ بشأن سوريا، الإثنين الماضي، على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وحماية المدنيين.
وقال السفير الروسي بمجلس الأمن فاسيلي نيبينزيا للصحفيين بعد الاجتماع: “أعتقد أن المجلس كان متحداً إلى درجة ما بشأن ضرورة الحفاظ على سلامة أراضي سوريا ووحدتها، وضمان حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية”.










