شهدت سوريا تطورات دراماتيكية في الأيام الأخيرة بعد إعلان فصائل المعارضة المسلحة سيطرتها على العاصمة دمشق، وهروب رئيس النظام السوري السابق بشار الأسد إلى روسيا، حيث حصل على حق اللجوء الإنساني. في ظل هذا الفراغ السياسي والعسكري، صعّدت إسرائيل عملياتها العسكرية في سوريا، في خطوة تعكس قلقاً إسرائيلياً من تداعيات انهيار النظام السوري وتفكك الجيش، وسط مخاوف من انتقال الأسلحة النوعية إلى أيدي الجماعات المعارضة.
ونفذت الطائرات الحربية الإسرائيلية سلسلة من الغارات الجوية المركزة التي استهدفت مواقع عسكرية وأمنية استراتيجية في سوريا، اليوم الأحد وأمس السبت.
وبحسب هيئة البث الإسرائيلية، قصفت المقاتلات مركز البحوث العلمية في دمشق، المعروف بأنه يدير برامج تطوير أسلحة كيميائية وصواريخ بعيدة المدى. كما استهدفت الغارات حي المزة في العاصمة السورية، وقاعدة خلخلة الجوية الواقعة شمال مدينة السويداء.
وأكدت مصادر أمنية لبنانية وسورية لوكالة “رويترز” أن الغارات على قاعدة خلخلة أصابت مستودعات تضم مخزوناً كبيراً من الصواريخ والقذائف التي تركتها قوات النظام السوري السابق بعد انسحابها. وقد أشعلت هذه الضربات حرائق ضخمة في المناطق المستهدفة، وأثارت حالة من الذعر بين السكان المحليين.
اقرأ أيضاً: هذا ما حصل خلال سيطرة “الهيئة” على دمشق – 963+
أهداف استراتيجية
ويرى العقيد الركن خالد المطلق، وهو ضابط سابق في قوات النظام السوري السابق، في حديث لموقع “963+” أن “إسرائيل تسعى إلى استفزاز الفصائل المسلحة لجرّها إلى مواجهة مباشرة، ما يمنحها مبرراً للتوغل شرقاً باتجاه درعا والسويداء”.
واعتبر أن “هذه الخطوات تأتي ضمن خطة إسرائيلية موسعة لتعزيز نفوذها الإقليمي في مرحلة ما بعد الأسد”.
يرى المطلق، أن “الضربات الإسرائيلية تستهدف مواقع استراتيجية لمنع الفصائل المسلحة من الحصول على أسلحة نوعية أو وثائق حساسة تكشف طبيعة العلاقات السرية بين النظام السوري السابق وإسرائيل”.
وقال الخبير العسكري: “إسرائيل تغير نوعية أهدافها، فهي لا تكتفي باستهداف مخازن الأسلحة، بل تركز الآن على مواقع استراتيجية مثل المربع الأمني في دمشق ومراكز البحوث. هذا تطور يشير إلى محاولة إسرائيل لتدمير وثائق قد تفضح التعاون السابق مع نظام الأسد”.
وفي مؤتمر صحفي عقده اليوم وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، أكد أن الضربات تأتي في إطار “إجراء وقائي” لمنع انتقال الأسلحة الكيميائية والصواريخ بعيدة المدى إلى أيدي “جماعات متطرفة ذات أيديولوجية إسلامية راديكالية”، في إشارة إلى الفصائل المعارضة التي تسيطر حالياً على دمشق.
وقال ساعر: “مصلحتنا الوحيدة هي أمن إسرائيل ومواطنيها، ولهذا السبب استهدفنا أنظمة الأسلحة الاستراتيجية المتبقية، بما في ذلك الأسلحة الكيميائية والصواريخ الباليستية”.
اقرأ أيضاً: إسرائيل تلغي اتفاقية فصل القوات مع سوريا وتحتل جبل الشيخ – 963+
توغل بري
على الأرض، نفذ الجيش الإسرائيلي توغلاً برياً غير مسبوق داخل الأراضي السورية في الجولان. وأعلنت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية أن القوات الإسرائيلية سيطرت على موقع جبل الشيخ العسكري بعد انسحاب قوات النظام السوري منه، في خطوة وصفتها القناة 14 الإسرائيلية بأنها تمثل “انهياراً لاتفاقية فصل القوات لعام 1974”.
وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل قررت “الاستيلاء على المنطقة العازلة” نتيجة انسحاب النظام السوري السابق. وقال نتنياهو: “اتفاقية فك الاشتباك مع سوريا أصبحت غير صالحة بعد أن تخلى الجيش السوري عن مواقعه. جيش الدفاع الإسرائيلي نفذ أوامري بالتعاون مع وزير الدفاع وبدعم كامل من مجلس الوزراء، لضمان أمن شمال إسرائيل ومنع تشكيل أي قوات معادية قرب الحدود”.
التوغل الإسرائيلي لم يقتصر على المناطق العسكرية، بل امتد إلى القرى السورية القريبة من الحدود. وأفادت تقارير ميدانية أن القوات الإسرائيلية اقتربت من منازل المدنيين في قرية الحميدية شمال القنيطرة، واعتقلت جميع سكان قرية رسم الرواضي، حيث تم اقتيادهم إلى مدرسة محلية للتحقيق. كما أطلق الجنود النار على شاب من بلدة جباثا الخشب، ما أدى إلى مقتله على الفور.
وقال موفق نيربية، نائب رئيس الائتلاف الوطني السوري سابقاً، في حديث لـ”963+” أن “إسرائيل تستغل الفراغ السياسي والعسكري في سوريا لتحقيق مكاسب استراتيجية”.
وأضاف نيربية: “إسرائيل تتذرع بانهيار قوات النظام السوري السابق لتبرير تصعيدها العسكري. هذا التصعيد يخدم أجندتها لتوسيع نفوذها، خاصة في ظل تراجع الدور الروسي والإيراني بسبب أزماتهما الداخلية والخارجية”.
اقرأ أيضاً: إسرائيل تسيطر على جبل الشيخ وتشن غارات على مركز البحوث بدمشق – 963+
مع استمرار العمليات الإسرائيلية والتوغل في سوريا، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من عدم الاستقرار. فالفراغ السياسي والعسكري الذي خلفه انهيار النظام السوري يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الإقليمية، مع احتمال تصاعد التوترات بين الفصائل المسلحة وإسرائيل.
وأشار نيربية إلى أن “النظام السوري يتحمل المسؤولية الكبرى عن هذه التطورات، نتيجة سياساته القمعية التي قادت إلى انهياره”. وأضاف أن “المجتمع الدولي مطالب بالتحرك لمنع إسرائيل من استغلال هذه الظروف بشكل دائم، بما يهدد مستقبل الاستقرار في المنطقة”.
وفي فجر الأحد 8 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، دخلت الفصائل المسلحة التابعة لـ”غرفة عمليات فتح دمشق” إلى العاصمة السورية، بعدما سيطرت على ريف دمشق الجنوبي الغربي وصولاً إلى داريا، أقرب المدن إلى حي كفرسوسة الدمشقي.
وبثت هذه الفصائل البيان رقم 1 من شاشة التلفزيون السوري الرسمي، وجاء فيه “غرفة عمليات فتح دمشق تعلن عن تحرير مدينة دمشق وإسقاط الطاغية بشار الأسد، وإطلاق سراح جميع المعتقلين المظلومين في سجون النظام”، فيما دعت الجميع إلى الحفاظ على جميع ممتلكات “الدولة السورية الحرة”.
وجاء ذلك بعدما انسحب أفراد قوات النظام السوري وضباطها من مواقعهم وألقوا سلاحهم وخلعوا ملابسهم العسكرية واندمجوا بالمدنيين، ما أتاح سيطرة الفصائل السلمية على العاصمة السورية.










