أثارت مقاطع فيديو تداولها ناشطون مؤخراً موجة استياء واسعة بعد أن كشفت عن انتهاكات خطيرة بحق مدنيين وعسكريين في مناطق النزاع شمال غربي سوريا. أظهرت هذه الفيديوهات أفراداً من فصائل “الجيش الوطني” المدعوم من تركيا وهم يرتكبون ممارسات مهينة وغير إنسانية بحق أسرى ومقاتلين ومدنيين.
وتشير المعلومات إلى تعرض المدنيين والعسكريين على حد سواء لانتهاكات جسيمة في مناطق متعددة بريف محافظة حلب وأماكن النزاع الأخرى. ومن بين الحوادث التي وثقتها المنظمات الحقوقية، ظهر عنصر مسلح يحمل مقاتلة كردية من وحدات حماية الشعب بطريقة مذلة وكأنها مجرد “غنيمة”، بينما تم تكديس أسرى آخرين فوق بعضهم البعض في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
وفي مقطع آخر، تم تصوير عناصر مسلحة يعتدون بالضرب والركل على أسرى داخل مستشفى تل رفعت، بعد أن سيطر عليها “الجيش الوطني” إثر انسحاب قوات “تحرير عفرين”. وبينما يحذر أحد المسلحين زملاءه من الاستمرار في التصوير، يقوم آخر يرتدي ملابس صحافي بركل الأسرى وسط شتائم تنضح بالكراهية والتحريض.
رابطة “تآزر” الحقوقية وثّقت سلسلة من الجرائم التي طالت مدنيين كرد، منها مقتل رجل وابنه البالغ من العمر 24 عاماً أثناء محاولتهما الفرار من المعارك شمال حلب، وإصابة زوجته وابنته بجروح خطيرة.
كما أشارت إلى حادثة مقتل مسن إيزيدي يدعى أحمد حسو وإصابة زوجته أثناء عودتهما إلى قريتهما في عفرين، بالإضافة إلى حالات اختطاف عديدة، منها احتجاز رجل وزوجته في تل رفعت مقابل فدية كبيرة.
تصعيد يقترن بخطاب كراهية مقلق
الهجوم المستمر من قبل “الجيش الوطني” ضد قوات سوريا الديموقراطية (قسد) أدى إلى تهجير نحو 120 ألف شخص من سكان عفرين وتل رفعت، كثير منهم اضطروا للفرار مرة أخرى بعد تهجيرهم سابقاً في هجوم تركي سابق. ومع هذا النزوح، رافق التصعيد العسكري خطاب كراهية موجه ضد الكرد بشكل خاص، ما يعمق الانقسامات بين مكونات المجتمع السوري.
بحسب الحقوقي السوري بسام الأحمد، المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، فإن لغة التعميم التي تستخدمها هذه الفصائل، مثل وصف الكرد بـ”الخونة” و”الخنازير”، تعزز شعوراً لدى السكان بأنهم مستهدفون على أساس قومي.
ويرى الأحمد في حديث لـ “963+” أن هذه الانتهاكات وخطاب الكراهية المرافق لها يهددان النسيج الاجتماعي السوري بشكل خطير، حيث يبدو النزاع وكأنه قائم على أبعاد قومية وعرقية بدلاً من كونه نزاعاً سياسياً.
اقرأ أيضاً: صراع النفوذ.. خلافات “الهيئة” والجيش الوطني تهدد وحدة الفصائل السورية
انتهاكات موثقة تعيد تسليط الضوء على الالتزامات الدولية
أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أن أطراف النزاع، بما فيها الدول والجماعات المسلحة، ملزمة بحماية المدنيين وفق القانون الدولي الإنساني. المادة الثالثة من اتفاقية جنيف تحظر بشدة أي انتهاكات بحق الأشخاص غير المشاركين في الأعمال القتالية، بمن فيهم الأسرى والنازحون.
رغم ذلك، وثّقت تقارير أن الانتهاكات لم تقتصر على المدنيين وحدهم. ففي ريف حماة، تم استدراج مسن عسكري لإلقاء مديح بحق الرئيس السوري بشار الأسد قبل أن يواجه مصيراً مجهولاً على يد عناصر “هيئة تحرير الشام/ جبهة النصرة سابقاً”. كذلك، تعرض شبان في القوات الحكومية السورية لتعذيب وإهانة ممنهجة بعد وقوعهم أسرى لدى الفصائل الموالية لتركيا.
ويرى الأحمد أن التوثيق الدقيق لهذه الانتهاكات يمثل خطوة أولى نحو المحاسبة. ويوضح أن العمل مع المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية بات ضرورياً لإثبات الجرائم وضمان عدم إفلات مرتكبيها من العقاب.
اقرأ أيضاً: قطر تحتضن اجتماعاً حاسماً لمسار أستانا.. هل يشهد الملف السوري تحولاً جذرياً؟
ويشير الحقوقي إلى أهمية الضغط على المجتمع الدولي لدعم هذه الجهود بشكل متوازن، محذراً من أن المصالح السياسية، لا سيما المتعلقة بتركيا ودورها في حلف الناتو، قد تؤدي إلى تجاهل الانتهاكات التي ترتكبها الفصائل المدعومة من أنقرة.
ومع استمرار التصعيد العسكري والانتهاكات، يتزايد القلق من تداعياتها على مستقبل التعايش بين مكونات المجتمع السوري. ويأمل الحقوقيون والناشطون في أن تساهم الجهود الدولية والمحلية في تعزيز التوثيق ودعم العدالة لجميع الضحايا، بغض النظر عن الجهة التي ارتكبت الجرائم، كخطوة نحو تحقيق مصالحة شاملة ومستدامة في سوريا.










