شكّل انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش” خلال زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع لواشنطن في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خطوة فارقة في سوريا بعد أكثر من عشر سنوات على تأسيس التحالف وبدئه عمليات عسكرية على الأراضي السورية، بالتعاون مع قوات سوريا الديموقراطية (قسد) الشريك على الأرض، ما يمهّد لمرحلة جديدة في مكافحة التنظيم وملاحقة خلاياه، وقد يفتح الباب لتوحيد القرار السوري بهذا الشأن، وحلحلة ملفات أخرى لا تزال عالقة في مسار الأزمة التي عاشتها البلاد على مدى أكثر من 14 عاماً.
وبعد لقاء ترامب والشرع في واشنطن، قال المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك في منشور على منصة “إكس”، إن سوريا انضمت رسمياً للتحالف الدولي، في خطوة تعد إطاراً تاريخياً يرمز لانتقالها من مصدّر للإرهاب إلى شريك في مكافحته”، معتبراً أن “الحكومة السورية الانتقالية ستساعد بنشاط في مواجهة وتفكيك خلايا داعش، والحرس الثوري الإيراني وحماس وحزب الله اللبناني وغيرها من الشبكات، لتصبح شريكاً ملتزماً في الجهد العالمي لإحلال السلام”.
وتحارب قوات سوريا الديموقراطية، تنظيم “داعش” على الأرض في سوريا بالتعاون مع التحالف الدولي، وقضت عليه عسكرياً في آخر معاقله بريف دير الزور شرقي البلاد عام 2019، وتقول إنها ستواصل ملاحقة ومحاربة خلايا التنظيم ومنعه من إعادة تشكيل نفسه مجدداً، وأعربت عن ترحيبها بانضمام سوريا إلى التحالف الدولي، وأنها “ملتزمة بتطوير التعاون مع جميع الأطراف التي تحارب الإرهاب، في كل ما يخدم أمن المنطقة والعالم”.
ويؤمل أن تقود خطوة انضمام سوريا للتحالف الدولي، إلى المساعدة في حل ملفات أخرى عالقة كاتفاق العاشر من آذار/ مارس الموقع بين الحكومة الانتقالية و”قسد”، وبالتالي انضمام الأخيرة للجيش السوري، وإمكانية الاستفادة من خبراتها التي اكتسبتها على مدى العقد الماضي في محاربة التنظيم، بما يسهم بالقضاء عليه نهائياً وتفكيك خلاياه وشبكاته التي لا تزال تعمل على الأرض السورية، وهو ما تتوقعه الولايات المتحدة، التي ترى أن دمج “قسد” بمؤسسات الدولة السورية يمثل أحد أهم الخطوات لجعل الحرب ضد تنظيم “داعش” وطنية وشاملة، بحسب ما نقلت صحيفة “إندبندنت” الأسبوع الماضي.
الاندماج مصلحة وطنية
يؤكد الكاتب الصحفي والباحث السياسي حسام نجار المقيم في بولندا، على أن “الاندماج بين الجيش السوري وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) هو مصلحة سورية بالدرجة الأولى خاصةً أن الحكومة السورية تحظى برعاية ودعم أميركي، والحرب على الإرهاب ليس الغاية فقط بل هو هدف آني ومؤقت لتنظيف الأرض السورية من كل عوامل الإرهاب والبدء بالعمل لتنمية وتطوير سوريا لتأخذ موقعها الطبيعي الجيوسياسي الهام، لذلك عملية الاندماج يجب ألا تعيقها بعض الخطوات التنفيذية، وإنما يجب النظر إليها كأساس عمل وبناء وحماية”.
ويشدد نجار في تصريحات لـ”963+”، على أن “مصير الطرفين هو أن يكونا وحدة واحدة لمصلحتهما معاً وليس من باب الترف، فطالما أن هذا الاندماج يعطيهما الحصانة ويتم وفق آليات صحيحة فلا خوف من ذلك، وسيشكل ذلك رأس حربة ضد تنظيم داعش نتيجة التناغم بين الجانبين، اللذين خبرا قتال التنظيم بعدة مستويات، وعندما يتم توزيع القطاعات وإجراء دراسة مسبقة لخطوات داعش يمكن القضاء عليه وعلى الخلايا النائمة التابعة له”.
توحيد القوى ضد الإرهارب
وبشأن أهمية انضمام سوريا للتحالف لتوحيد القرار السوري، يعتبر مدير مؤسسة “كرد بلا حدود” كادار بيري، أنه “من المهم جداً أن تكون الخطوة الأولى للسورين هي توحيد قواهم في محاربة الإرهاب، لما تمتلكه قوات سوريا الديموقراطية من مقومات في هذا الشأن، بحيث يكون هناك تعاون استخباراتي من الحكومة السورية الانتقالية للوصول بأن تكون سوريا خالية من الإرهاب، وتكون هذه بداية ثقة بين الطرفين”، لكنه يشير خلال تصريحات لـ”963+”، إلى أن “الحكومة يبدو أنها غير قادرة على محاربة الإرهاب بالشكل المطلوب لوجود ما يمكن تسميته بالآفات داخلها، حيث توجد مجموعات وقيادات مصنفة إرهابية، لذلك فإن المدخل يكون بتعاون دمشق استخباراتياً مع قسد، لتسهيل عملية بناء الثقة بالمستقبل بين الأطراف السورية وصولاً إلى بناء جيش سوري جديد لكل السوريين”.
والأسبوع الماضي، أطلقت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) عملية عسكرية ضد “داعش” في سوريا أطلقت عليها اسم “عين الصقر”، استهدفت أكثر من 70 موقعاً للتنظيم في محافظات دير الزور والرقة وحمص، واستخدمت فيها طائرات مقاتلة ومروحية ومدفعية، للاستهداف الدقيق لمواقع البنية التحتية ومخازن الأسلحة التابعة للتنظيم.
تفاهمات وتوضيح شكل العلاقة
ويوضح الباحث في مركز “جسور” للدراسات وائل علوان، أنه “يمكن أن تعزز الحرب ضد الإرهاب من وصول الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) إلى بعض التفاهمات، أو على الأقل عملية تطبيع أكثر في شكل العلاقة، لكن لا يعتقد أن تكون مكافحة الإرهاب وحدها كافية لوحدها للوصول إلى مسار وحدة القرار السوري، وإلى اندماج حقيقي بين الطرفين”، معتبراً خلال تصريحات لـ”963+”، أنه “في حال التعاون بين الجانبين بمحاربة الإرهاب، فسيتعزز العمل المشترك وآليات التواصل المهمة والتي لن تكون إلا بإشراف ورعاية أميركية كاملة، أي أن واشنطن ستكون ضابطة الإيقاع في العلاقة التعاونية”.
ويشير، إلى أن “عملية الاندماج الكامل لقوات سوريا الديموقراطية بالدولة السورية تتطلب أكثر من التعاون في ملف من الملفات، رغم أن هذا الملف أساسياً وهاماً ومعقداً”، مؤكداً أن “تأثير وانعكاس ملف محاربة الإرهاب هو كبير على الملفات، حيث أنه من الممكن أن يقوي فرص تفاهمات أكبر ضمن اتفاق آذار/ مارس 2025، لكن يبقى الدور الأميركي أساسي في ذلك على اعتبار أن قسد هي حليف تقليدي بمكافحة الإرهاب في سوريا”.
وبشأن مدى فعالية انضمام سوريا للتحالف الدولي في جهود محاربة “داعش”، يرى نجار أن “وجود الجيش السوري ضمن التحالف يعطي ميزة كبيرة وقوة لاعتبارات عديدة، حيث أن التنظيم كان يختبئ في عدة أماكن، لكن الآن أصبح محارباً من الجميع، ولدى الجيش السوري المبرر القوي لملاحقته بكل مكان وبالتالي سيتم حصره في منطقة محددة وتوجيه الضربات له بكثافة”، لافتاً إلى أن “قوة التحالف ستكون منصبة على المعلومات الاستخباراتية والإمداد وعمليات الإنزال بالمناطق الصعبة نتيجة الخبرة الميدانية لديهم، وهذا حتماً سيؤدي إلى تسهيل عملية التوافق والتوأمة بين الجيش وقسد”.
انعكاس إيجابي
ويوضح بيري، أن “الحكومة السورية الانتقالية كانت واضحة منذ البداية بأنها لا تستطيع محاربة الإرهاب على الأرض بل ستتعاون استخباراتياً، وهذا التعاون سيكون له بالتأكيد انعكاس إيجابي على الملفات الأخرى كتطبيق اتفاق العاشر من مارس بكل بنوده وليس البند المتعلق باندماج قسد بالجيش، بل أيضاً شكل الدولة وغيرها، لكي نصل إلى الدولة المنشودة التي تمثلنا جميعاً كسوريين”.
وكانت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) قد قالت في بيان على موقعها الرسمي الأسبوع الماضي، إن القوات الأميركية والقوات السورية الشريكة، نفذت نحو 80 عملية منذ تموز/ يوليو الماضي، للقضاء على عناصر إرهابية بينها خلايا لـ”داعش”، أسفرت عن إلقاء القبض على 119 عنصراً ومقتل 14 آخرين خلال الأشهر الستة الماضية، ما أحبط جهود التنظيم لإعادة ترتيب صفوفه وشن هجمات على مستوى العالم، وذكر قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، أن “هذه العمليات في سوريا بالغة الأهمية لمنع داعش من إعادة تنظيم نفسه وتشكيل تهديد كبير، وهو نوع من المكاسب الأمنية الملموسة التي يمكن تحقيقها على الأرض من خلال التعاون الوثيق مع القوات السورية”، مشدداً على أن “القوات الأميركية ستواصل العمل مع شركائها السوريين لملاحقة شبكات داعش”.
ومن جانبها، أعلنت قوات سوريا الديموقراطية الأسبوع الماضي، أنها نفّذت عملية أمنية أسفرت عن تفكيك خلية تابعة لتنظيم “داعش” في قرية الحصان بريف دير الزور شرقي البلاد، وأوضحت في بيان نشر على منصة “فايسبوك”، أن العملية التي نفذت في ريف دير الزور الغربي جاءت استناداً إلى معلومات استخباراتية دقيقة ومتابعة مستمرة، معربة عن تقديرها للقوات الأميركية وقوات التحالف الدولي، على الضربات الجوية والصاروخية الدقيقة التي استهدفت أوكار تنظيم داعش في عملية “عين الصقر” شرقي سوريا.










