في حقول القامشلي شمال شرقي سوريا، يقف المزارع سامي حسن متأملاً أرضه التي اعتاد أن يزرع فيها القمح والقطن والذرة. يقول سامي لـ”963+” إن هذه المحاصيل “مقاومتها عالية جداً”، لذلك يعتقد أن الحاجة لتحليل التربة نادرة، وقد لا تتكرر إلا مرة واحدة كل عشر سنوات.
هذه النظرة تعكس جزءاً من واقع المزارعين في شمال وشرق سوريا، حيث تفتقر المنطقة إلى ثقافة تحليل التربة والمياه قبل الزراعة، إذ إن كثيراً من المزارعين يعتمدون على الخبرة التقليدية ويستخدمون كميات كبيرة من الأسمدة دون إرشاد علمي، ما يؤدي إلى نتائج عكسية كتراجع الإنتاج وزيادة ملوحة الأراضي.

خطوة علمية
لمواجهة هذه التحديات، افتتح مركز البحوث العلمية الزراعية للابتكار والتميز مؤخراً مخبراً لتحليل التربة والمياه في بلدة هيمو بريف القامشلي.
ووفق ما تقول بيريفان محمد، الرئيسة المشاركة في المركز لـ”963+” فإن الهدف هو إرشاد المزارعين بالاعتماد على نتائج دقيقة بدلاً من العشوائية في استخدام الأسمدة.
ويشمل التحليل عناصر التربة الكبرى: الفوسفور، الآزوت، البوتاسيوم، المنغنزيوم، الكالسيوم، درجة الحموضة والمواد العضوية. أما المياه فيجري اختبار مادتي الكلور والبيكربونات خلال يومين إلى ثلاثة أيام.
وتصل تكلفة هذه الخدمات إلى 321 ألف ليرة سورية للتحليل، وهو مبلغ غير ثابت يختلف حسب نوع الفحوص والمواد الكيميائية المستخدمة. ورغم أن المخبر قادر على إنجاز 100 إلى 300 عينة شهرياً، إلا أن عدد العينات الفعلية لا يتجاوز 3 إلى 10 عينات بسبب غياب ثقافة التحليل لدى المزارعين.
مواقف متباينة
المزارع وليد جولي من عامودا غربي القامشلي، يصف في حديث لـ”963+” افتتاح المخابر بأنه “خطوة مهمة وضرورية”، لكنه يلفت إلى أن غياب الوعي العلمي جعل بعض المزارعين يفرطون في ري التربة، ما أدى إلى ارتفاع نسبة الملوحة وتحول بعض الأراضي إلى أراضٍ جافة، وساهم في اتساع رقعة التصحر.
من جهته، خاض المزارع محمد خير من الدرباسية بريف القامشلي الغربي، تجربة مباشرة مع المخبر بعدما لاحظ تراجع خصوبة أرضه.
وبعد التحليل، تبيّن انخفاض نسبة مادة INBK، ما دفعه إلى استخدام تسميد عضوي. ويقول محمد خير لـ”963+”: “الأرض تحتاج إلى تجديد نفسها باستمرار، والمخابر أداة مهمة لتحقيق ذلك”.
ويرى الخبير الزراعي كيفورك غازار، في تصريحات لـ”963+” أن أهمية المخابر لا تكمن فقط في تحديد نسب العناصر الكبرى، بل أيضاً في كشف أمراض خطيرة مثل النيماتودا في القمح، التي تضر التربة والإنسان.
ويشير إلى أن التحليل يمكّن المزارع من استخدام الكميات المناسبة من السماد، الأمر الذي ينعكس على زيادة الإنتاجية واستدامة المحاصيل.

بين العلم والدعم
ورغم الترحيب بوجود المخبر، يظل التساؤل مطروحاً: هل تكفي التحاليل وحدها لإنقاذ الزراعة في شمال وشرق سوريا؟ فالمزارعون يشددون على أن توفير الوقود والدعم الحكومي للأسمدة والقمح لا يقل أهمية عن الإرشاد العلمي. أما مسؤولو المخبر فيؤكدون أن هدفهم الرئيس هو توجيه المزارعين نحو زراعة أكثر كفاءة، فيما تبقى الحاجة ماسة لبرامج توعية وتدريب تنشر هذه الثقافة الزراعية بشكل أوسع.










