لم تفض زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي، أي جديد في مسار المفاوضات الأمنية مع إسرائيل، على العكس، تعقدت المباحثات، ووصلت إلى طريق مسدود حسب ما أعلنته هيئة البث الإسرائيلية، والتي كشفت عن مطالب إسرائيلية جديدة متعلقة بتوقيع اتفاق سلام شامل كشرط رئيسي للاتفاق الأمني مع سوريا، وهو ما ترفضه الإدارة السورية لعدم وجود المناخ المناسب لمثل هذه المطالب.
وعلى الرغم من التعويل على الدور الأميركي في حسم المباحثات الأمنية مع إسرائيل، إلا أن ذلك لم يتحقق خلال الزيارتين التي أجراهما الشرع لأميركا، إذ كان من المتوقع الإعلان عن صيغة اتفاق أمني في الجنوب السوري، خلال حضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في الـ 22 أيلول/سبتمبر الماضي، الأمر الذي لم يتحقق، حيث انتهت الزيارة، وأعلنت تل أبيب بعدها شروط جديدة على دمشق متعلقة بفتح ممر إنساني مع السويداء، وهو ما رفضته الأخيرة، كذلك الأمر بعد زيارة واشنطن في الـ 9 من نوفمبر/ تشرين الثاني، ولقاء الرئيس الأميركي ، رفعت إسرائيل من جديد سقف مطالبها، ووضعت توقيع اتفاق سلام شامل مع سوريا، وليس اتفاق أمني، شرطاً رئيسياً للانسحاب “المحدود” وليس الكامل من سوريا، الأمر الذي يشي بموقف أميركي داعم لإسرائيل، أو غير فاعل بالضغط عليها بالملف السوري.
استراتيجية واشنطن
وضع الرئيس الأميركي منذ البداية تطبيع العلاقات مع إسرائيل شرطاً رئيسياً لرفع العقوبات عن سوريا، وهو ما تعهدت به الإدارة الجديدة بتنفيذه وفقاً للظروف المحيطة، إلا أن حسن النية السورية قوبل باستغلال اسرائيلي، حيث زادت وتيرة التوغلات، وتم إنشاء 7 قواعد عسكرية محصنة في الجنوب، إضافة إلى مطالب متعلقة بالممر الإنساني مع السويداء، ودور إسرائيلي فاعل في حماية الدروز.
استطاع الرئيس الشرع أن يضع الرئيس الأميركي في صورة المسارات الإسرائيلية في التعامل مع دمشق، وهو ما دفع واشنطن في الضغط على إسرائيل للانسحاب من سوريا بعد الحصول على الضمانات الأمنية، ضغوطات أشارت إليها صحفية “معاريف العبرية” نتيجة للتقارب السوري الأميركي، وهو ما سارعت تل أبيب لحسم الجدل فيه عبر وزير الدفاع يسرائيل كاتس، بأن بلاده لن تنسحب من جبل الشيخ ولا من المناطق التي احتلها جنوب سوريا، الأمر الذي فُسر كرد مباشر تجاه الضغوط الأميركية.
إلا أنه بات واضحاً بأن إسرائيل لا تفاوض دمشق، بل تماطل فيها وتلهيها، دون أي رغبة لديها بتوقيع اتفاق أمني، إذ شكلت استراتيجية فرض القوة الإسرائيلية منطلقاً في عملياتها، وعليه لم تعد إسرائيل مضطرة لأي اتفاق يقيد وجودها في سوريا، خاصة وأنها استطاعت السيطرة الكاملة على جبل الشيخ الاستراتيجي، وإنشاء مجموعة قواعد عسكرية على طول محافظتي القنيطرة ودرعا، وخلق الفوضى، ودعم الفصائل المسلحة بالسويداء، وبالتالي باتت المسيطر الرئيسي على الجنوب، دون أدنى حاجة للتشاور مع دمشق.
قلق مشترك
تسعى واشنطن جاهدة في استراتيجيتها للشرق الأوسط، إحداث توافقات سياسية مع حلفائها، وهو ما ينطبق على سوريا التي باتت تدخل في منظومة الأدوات الأميركية السياسية والعسكرية بالمنطقة، خاصة بعد انضمامها إلى قوات التحالف الدولي، ولو كان ذلك بالشكل السياسي، إذ لا يمكن للأجندة الأميركية الإسرائيلية أن تتم دون تنسيق مع سوريا لوجود العديد من الأهداف المشتركة، وأبرزها محاربة النفوذ الإيراني.
إذ تشكل سوريا بعد انضمامها للتحالف درعاً أميركياً على طول الحدود السورية العراقية، وسلاح مسلط على تحركات ميليشيا “الحشد الشعبي” على الحدود الشرقية، إضافة إلى احتمالية تصعيد أميركي سابق إلى لبنان لنزع سلاح “حزب الله”، واحتمالية دخول سوريا في أي عمل عسكري محتمل على الحدود مع لبنان، لطالما باتت من قوات التحالف الدولي، وعليه تعمل واشنطن لتحقيق الانسجام التام بين أدواتها وحلفائها في المنطقة.
الصديق القديم
لم تكن مصادفة إعلان هيئة البث وصول المفاوضات مع سوريا إلى طريق مسدود، بعد ساعات من دخول وفود عسكرية روسية إلى المنطقة الجنوبية، وذلك للاطلاع على نقاط عسكرية كانت إسرائيل قد احتلها وأقامت فيها نقاط تفتيش، الأمر الذي يشي بإعادة تفعيل الدور الروسي دون الحاجة إلى المفاوضات مع دمشق، أي تعليق المنطقة بوضعها الحالي بوجود الضامن الروسي.
شكلت روسيا بالنسبة لإسرائيل حليفاً موثوقاً منذ عام 2018 وتوقيع اتفاق جاسم، والذي دخلت بموجبه الشرطة الروسية إلى الجنوب السوري، وقيدت فيه نفوذ إيران في الجنوب، وسهلت استخباراتياً العديد من الضربات الإسرائيلية على مواقع تابعة لحزب الله في الجنوب، ونتيجة لذلك ترى تل أبيب موسكو حليفاً موثوقاً، متوازناً مع كافة الأطراف المعنية بالملف السوري، خاصة تركيا التي تعمل إسرائيل على إبعادها جغرافياً عنها، وفي نفس الوقت تشكل ردعاً لتمدد الميليشيات الإيرانية وحماية لحدود إسرائيل الشمالية، فيما تستفاد روسيا من ثقل جديد لها في سوريا كضامن أمني وعسكري توافق عليه من كافة الأطراف.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










