نفى المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس باراك، وجود أي التزام أميركي بدعم إقامة دولة كردية مستقلة لقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، مؤكدًا أن السياسة الأميركية تركز على وحدة الأراضي السورية وضرورة اندماج جميع الأطراف ضمن هيكل وطني موحد وجاءت هذه التصريحات عقب لقاء جمع ممثلين عن شمال وشرق سوريا بمسؤولين في الحكومة السورية بالعاصمة دمشق.
التصريحات الأميركية جاءت في وقتٍ تثار فيه تساؤلات حول التباين في الموقف الأميركي تجاه القضية الكردية، خاصةً فيما يتعلق بالدعم المقدم لإقليم كردستان العراق مقارنةً بتحفظ واشنطن على إقامة نموذج مشابه في سوريا. ويعزو مراقبون هذا التباين إلى اختلاف الظروف السياسية والأمنية بين البلدين، إلى جانب الحسابات الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة.
وقال باراك، إن على جميع السوريين الاندماج في هيكل موحد وتابع باراك قائلاً، “ليس من الممكن أن نرى قوات درزية بزي الدروز، أو علوية بزي العلويين، أو كردية بزي الأكراد، يجب أن يندمج الجميع ضمن هيكل وطني واحد.
ونفى باراك وجود أي التزام أميركي بدعم إقامة دولة كردية مستقلة لقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، موضحاً أن الولايات المتحدة ليست مدينة لـ”قسد” بإنشاء دولة ما يعكس الموقف الأمريكي المتحفظ من أي مشاريع انفصالية أو لا مركزية موسعة.
وسبق ذلك تأكيد المبعوث الأميركي إلى سوريا، أن قوات سوريا الديمقراطية ليس أمامها سوى مسار واحد، يتمثل في التوجه نحو دمشق، مشدداً على أن الفيدرالية “غير ممكنة” في سوريا وجاءت تلك التصريحات في سياق لقاءات متتالية بين ممثلي الإدارة الذاتية الكردية ومسؤولي الحكومة السورية في العاصمة دمشق.
اقرأ أيضاً: المبعوث الأميركي إلى سوريا: المحادثات بين الحكومة و”قسد” لم تحقق تقدماً – 963+
اختلاف الجغرافيا
يقول الكاتب والمحلل السياسي جوان يوسف المقيم في سويسرا، إن “الموقف الأميركي تجاه العراق وسوريا لا يختلف في جوهره، لكن لكل حالة خصوصيتها الجيوسياسية والمعطيات الواقعية التي تحدد شكل التعاطي”.
ويوضح يوسف لــ”963+” أن “العراق يتمتع بتاريخ طويل من النضال السياسي والوجود المؤسساتي، مما جعل ظهور إقليم كردستان فيه نتيجة لتراكمات بدأت بسقوط النظام العراقي، مرورًا بحرب الخليج الأولى والثانية وانتهاءً بتشكيل كيان فدرالي رسمي”. ويضيف أن “الجغرافيا السياسية في العراق تختلف جذريًا عن سوريا، حيث كانت ظروف إقامة الإقليم طبيعية ومتدرجة وليست طارئة”.
وفيما يتعلق بسوريا، يرى يوسف أن التحديات أكثر تعقيدًا، مشيرًا إلى أن التوزع السكاني والجغرافي، إلى جانب هشاشة الحركة السياسية الكردية التاريخية التي اقتصرت على المطالب الثقافية والاعتراف بالهوية، جعلت الوضع أقل نضوجًا مقارنة بالعراق.
ويبيّن أن عام 2012 مثل تحولًا جذريًا في الأداء السياسي الكردي السوري، بعد دخول العمل العسكري إلى مشهد النضال، وهو ما كان مرفوضًا سابقًا من القوى السياسية الكردية التي لم تتخيل وجود حامل مسلح كردي معتبراً أن الدعم الأمريكي للكرد في سوريا جاء نتيجة ظروف مفاجئة، أبرزها ظهور تنظيم داعش وفشل واشنطن في دعم المعارضة السورية، إضافة إلى فقدانها الثقة بالحليف التركي
كما يشير يوسف إلى أن “الولايات المتحدة لا تنوي التخلي عن الكرد في سوريا، خاصة في ظل تصاعد الحديث عن شكل فيدرالي محتمل، رغم أن هذا الملف يبقى رهينة لتوازنات القوى ومصالح الأطراف الدولية والإقليمية”.
وفي المقابل، جددت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، في بيان التأكيد على “مطالبها بإقامة نظام ديموقراطي تعددي يحقق العدالة الاجتماعية، والمساواة بين الجنسين، ودستور جديد يضمن حقوق جميع المكونات السورية، ورفض محاولات تشويه هذه المطالب أو وصفها بالانفصال”، معتبرة ذلك “تزويراً متعمداً لحقيقة النضال السوري ضد الاستبداد”
وأشارت في بيانها إلى أن “السوريين عانوا لعقود من نظام مركزي احتكر السلطة والثروة وأقصى الإرادات المحلية”، مضيفةً أن “مشروع سوريا اللامركزية يشكل فرصة حقيقية لبناء دولة حديثة تحتضن جميع مواطنيها دون تمييز”.
اقرأ أيضاً: المبعوث الأميركي: لا خيار أمام “قسد” سوى طريق دمشق والفيدرالية غير ممكنة في سوريا – 963+
أسباب استراتيجية
من جانبه، يؤكّد الباحث في الشأن السياسي العراقي والعربي، الدكتور أحمد الحمداني، المقيم في بغداد، أن الدعم الأميركي لإقليم كردستان في العراق ليس جديداً، بل يمتد إلى عام 1962، حيث أبدت واشنطن وبريطانيا تأييداً لإنشاء حكومة إقليمية مستقلة تتضمن كافة السلطات من رئاسة وزراء إلى مجلس النواب ورئاسة الإقليم، حتى في عهد الرئيس العراقي السابق صدام حسين.
ويوضح الحمداني لـ”+963″ أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإقليم كردستان العراقي ترتكز على اتفاقات استراتيجية بريطانية أمريكية إسرائيلية، تهدف إلى ترسيخ نظام سياسي متكامل بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة الإقليم.
وفي المقابل، يرى الحمداني أن “الولايات المتحدة لا تمنح الإقليم الكردي في سوريا فرصة للتشكل، لامتلاكه مقومات إدارية وسياسية قوية ما يعكس وجود تناقض في السياسة الأميركية تجاه قضية الأكراد في العراق وسوريا، إذ تروج واشنطن لمبادئ الديمقراطية وحق تقرير المصير لكنها لا تطبقها بشكل متساوٍ”.
ويعتبر الحمداني أن الولايات المتحدة تسعى من خلال مواقفها المتباينة إلى التحكم في مستقبل الشرق الأوسط بما يخدم مصالحها واستمرارية وجودها في المنطقة.










