عاد الجدل حول مستقبل الدستور السوري إلى الواجهة مجدداً، وذلك في ظل تطورات سياسية وأمنية متسارعة، تمثلت بإعلان تفاهمات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، بالتوازي مع صدور مرسوم رئاسي يقضي بإقرار جملة من الحقوق الثقافية والسياسية للكرد في سوريا.
هذه الخطوات، التي وُصفت بأنها “تحول لافت” في مقاربة ملف التعدد القومي والسياسي في سوريا بمرحلة تلت سقوط النظام، أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل البنية الدستورية للدولة، وحدود هذه التفاهمات، وما إذا كانت تمثل بداية لمسار دستوري جديد يعكس التوازنات السياسية المستجدة، أم أنها مجرد ترتيبات مرحلية لا تمس جوهر النظام الدستوري القائم.
وجاءت التفاهمات بين دمشق و”قسد” في سياق محاولات إعادة ضبط المشهد في شمال وشرق سوريا، حيث يشكل الوجود العسكري والإداري لـ”قسد” أحد أبرز أشكال الاستقلال الإداري والعسكري عن دمشق في تاريخ سوريا الحديث، ومن المتوقع أن لا تقتصر هذه التفاهمات على الجوانب الأمنية، بل تمتد إلى ملفات إدارية وخدمية، مع فتح قنوات تفاوض حول قضايا أكثر حساسية، في مقدمتها شكل الدولة ومستقبل الحكم المحلي.
الدستور يرتبط بالمرحلة الانتقالية
يقول الباحث والمحلل السياسي عباس شريفة، المقيم في العاصمة السورية دمشق، إن القضية الدستورية في سوريا ليست قضية مرتبطة بالتفاهمات مع قوات سوريا الديموقراطية بشكل مباشر، وإنما هي قضية تتعلق بالمرحلة الانتقالية وبإيجاد حل شامل للخلافات القائمة، وأن الاتفاقات القائمة حتى الآن ما تزال محفوفة بالكثير من المخاطر، وقد تتعرض لانتكاسات في التطبيق، ما قد يعيد البلاد إلى سيناريوهات التوتر من جديد.
ويشير شريفة في حديث لـ”963+”، إلى أن الملف الدستوري مرتبط بجميع مكونات الشعب السوري، كونه يتناول الدستور الدائم للبلاد، موضحاً أن هذا الملف يمكن أن يكون جزءاً من حل كثير من الإشكالات، لا سيما مع وجود مطالب من أطراف وقوى سياسية مختلفة بإجراء تغييرات في بعض المواد الدستورية.
ويضيف أن هناك مطالب من بعض القوى السياسية الكردية بتضمين المرسوم رقم 13 ضمن الدستور أو ضمن بنوده الأساسية، معتبراً أن ذلك يتطلب عملية متكاملة وآليات واضحة لتضمين هذا المرسوم ضمن الدستور القادم، ويؤكد أن هذا المسار ليس مرتبطاً بقضية محددة، بل يمكن أن يسهم في تجاوز الخلاف مع “قسد” عبر التوجه نحو دستور توافقي تشارك في صياغته جميع القوى السورية.
ويقول شريفة إن الضمانات الأساسية لنجاح العملية الدستورية تتعلق بوجود نظام انتخابي حقيقي، موضحاً أنه لا يمكن أن تكون الهيئة الدستورية قائمة على التعيين، ولا على المحاصصات، ولا على فرض الإرادات، بل يجب أن تقوم على نظام انتخابي تمثيلي يسبقه إحصاء سكاني شامل لمحافظات سوريا.
ويشير إلى أن هذا الإحصاء يجب أن تتبعه آلية انتخاب واضحة، مع وضع شروط للمرشحين، بهدف انتخاب هيئة تمثل جميع مكونات الشعب السوري، ويضيف أن هذه الهيئة ينبغي أن تمتلك نظاماً داخلياً ينظم آليات التصويت على البنود ومناقشتها، ثم طرح مشروع الدستور على الشعب السوري للاستفتاء العام والتصويت عليه.
ويؤكد شريفة أنه في حال توفرت آليات ديموقراطية واضحة وشفافة، فلن تكون هناك مشكلة حقيقية في إقرار الدستور، محذراً في الوقت ذاته من الابتزاز السياسي، حيث تحاول بعض الأطراف فرض ما تريده على شكل ومضمون الدستور، ملوحة بمقاطعة العملية في حال عدم الاستجابة لمطالبها، رغم أنها تمثل أصواتاً محدودة أو فئات سياسية ضيقة.
مسار دستوري شامل
في حال الاتجاه نحو مسار دستوري جديد، تبرز تساؤلات حول طبيعة الضمانات التي يمكن تقديمها لباقي المكونات السورية، من عرب وكرد وسريان وتركمان وغيرهم، لضمان مشاركتهم الفعلية في صياغة أي عقد اجتماعي جديد، ومنع حصر العملية بين أطراف بعينها، إضافة إلى التساؤل حول آليات تمثيل القوى السياسية والمجتمعية، ودور المجتمع المدني، وما إذا كان سيتم اعتماد إطار تشاركي واسع يضمن الشفافية ويعزز الثقة.
ويقول شيرزاد اليزيدي، الكاتب والباحث السياسي المقيم في مدينة أربيل، في حديث لـ”963+”، إن مسألة الدستور في سوريا باتت “السؤال الأكثر حساسية في المرحلة الراهنة”، مشيراً إلى أن ما يُسمّى اليوم مرحلة انتقالية لا يرقى في الواقع إلى هذا الوصف.
ويرى أن الحديث عن الدستور في ظل هذه الظروف “يمثل نوعاً من الترف السياسي”، رغم أن النقاش الدستوري البحثي ووضع إعلان دستوري لهذه المرحلة، والتمهيد لوضع دستور توافقي يعبر عن تعدد السوريين وتنوعهم وقواسمهم المشتركة، يُفترض أن يكون “المهمة الأولى لأي عملية انتقالية”، مشدداً على أنه “من دون دستور، يصبح الحديث عن القوانين والحقوق والواجبات عرضة للانهيار في أي لحظة”.
ويشدد على أن الإعلان الدستوري في سوريا لا يعكس إرادة السوريين، ولا يجسد طموحاتهم في التحول الديموقراطي، ولا يؤسس لنظام برلماني تعددي ولا مركزي، يراعي التنوع والتعدد ويحترم الخصوصيات، ويقر بالشراكة بين مختلف المكونات والفئات السورية.
ويؤكد اليزيدي أن القضية الكردية تمثل “محك الديموقراطية والحرية والمساواة في سوريا”، ويمكن اعتمادها معياراً لقياس مجمل عملية التحول الديموقراطي، وأن الحديث عن الدستور يفترض أن يسبقه وجود عملية انتقالية شاملة.
واستشهد بتجربة العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، حيث جرى تأسيس مرحلة انتقالية شاركت فيها مختلف القوى والمكونات، وتشكيل مجلس حكم انتقالي، ثم صياغة دستور توافقي أُقرّ شعبياً، أعقبه انتخاب برلمان وحكومة، “بينما ما يحدث في سوريا اليوم هو وضع العربة أمام الحصان”.
وتساءل اليزيدي عن غياب البيئة السياسية اللازمة لتشكيل جمعية تأسيسية أو لجنة خبراء تمثل القوى والفعاليات السياسية، قائلاً إن سوريا اليوم تفتقر إلى حياة سياسية حقيقية، ولا يوجد قانون أحزاب أو حرية عمل سياسي، باستثناء المناطق الكردية، مشيراً إلى أن ممارسة السياسة تُكفّر، ويجري استبدالها بشعارات جوفاء عن الوحدة والوطنية والقائد والرئيس.
وختم اليزيدي بالقول إن المخرج يكمن في إشراك جميع السوريين في العملية الانتقالية، داعياً إلى تفعيل الدور الأممي للإشراف على المرحلة الانتقالية وصياغة دستور توافقي، مؤكداً ضرورة الاعتراف الدستوري بحقوق الشعب الكردي، وإقرار مبدأ اللامركزية، وتوزيع السلطات والثروات، بما يمنع عودة الاستبداد وترسيخ دولة تعددية ديموقراطية تحترم تنوع المجتمع السوري.










