“أستيقظ كل صباح وأنا أتحسس صدري لأتأكد أنه لا يزال يتنفس”، تقول ليندا العلي (28 عاماً)، نازحة تقيم في مخيم قرب دير حسان بريف إدلب الشمالي، وهي تحاول وصف حياتها اليومية مع طفلها المصاب باضطراب وراثي نادر يُعرف بنقص إنزيم “ألفا-1”.
وتضيف لـ”963+” وهي تشير إلى جهاز أكسجة صغير معطل: “هنا لا يوجد شيء واضح، الطبيب يقول إن العلاج موجود في الخارج، لكن تكلفته لا تُحتمل، والرحلة إلى تركيا لإنقاذ طفلي شبه مستحيلة، كل نفس بالنسبة له معركة حقيقية”.
وتشير إلى أن ابنها يعيش على احتمالات ضيقة، بين جلسات تنفس تقليدية ومحاولات لتخفيف الالتهاب باستخدام أدوية متواضعة الفاعلية، وتصف ليالي الشتاء الطويلة بأنها الأصعب مع الهواء البارد الذي يهاجم رئتيه، في الوقت الذي لا تملك فيه حتى مدفأة آمنة تجنبها آثار الروائح على طفلها.
وتوضح أن الخوف بات يسكن تفاصيل يومها، الخوف من الليل، والسعال المفاجئ، ومن أن تستيقظ فلا تسمع صوت أنفاسه، ومع ذلك تستمر بمحاولة تأمين ما يمكن من دواء ووسائل بدائية للرعاية، في “بيئة لا تمنح أطفال الأمراض النادرة سوى فرصة هشة للنجاة”.
وعلى مدى السنوات الأخيرة، تحولت الأمراض النادرة في محافظة إدلب إلى أزمة صحية صامتة، تتداخل فيها هشاشة البنية الطبية مع غياب الإمكانيات، فتترك المرضى وأسرهم داخل دائرة معاناة بلا نهاية، وبينما تنشغل المنظمات بتأمين الاحتياجات الأساسية، يتفاقم العبء على آلاف المصابين بأمراض تحتاج تشخيصاً معقداً أو علاجاً طويل الأمد، لا يتوفر في مناطق أنهكتها الحرب.
وفي مخيم كفرلوسين، تجلس رويدة الصبيح (47 عاماً)، المصابة بمرض “الذئبة الحمراء الجهازية”، داخل خيمة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار، وتقول لـ”963+” إنها كانت تتلقى علاجها بانتظام قبل النزوح، إلا أنها اليوم بالكاد تتمكن من الحصول على دوائها، وعندما يتوفر يصل بجرعات غير مناسبة، إذ إن البرد يزيد الالتهابات، والشمس ترفع مستوى الألم، فيما يفاقم الضغط النفسي حالتها عموماً، حتى باتت تشعر أن المرض ينهش جسدها بلا رحمة. وتضيف أن غياب المتابعة الطبية الشهرية جعل المرض يتقدم بسرعة غير طبيعية، وأكثر ما يخيفها هو عدم معرفة ما إذا كان العلاج الذي تحصل عليه مناسباً أم لا، “الطبيب نفسه أحياناً غير متأكد، لأنه لا يملك التحاليل اللازمة”.
اقرأ أيضاً: الصحة النفسية للمرأة.. رعاية نفسك ليست مثالية!
أما خالد الضاهر (34 عاماً) فيواجه أيضاً تحديات يومية مع مرض “الوهن العضلي الوبيل”، وهو اضطراب مناعي نادر يؤدي إلى ضعف تدريجي في العضلات. ويقول لـ”963+” إن انقطاع الأدوية ينهك جسده بالكامل، إلى درجة يعجز فيها أحياناً عن رفع مطرقة عمله في الورشة، ويضطر للجلوس كل نصف ساعة نتيجة الهبوط المفاجئ في قوة عضلاته. ويضيف أن دخوله في “نوبة ضعف حاد” يكشف غياب أقسام متخصصة بالعناية العصبية، إذ يكتفي الكادر الطبي بإعطائه محاليل ومطالبته بالانتظار، وهو انتظار يخشى أن تكون عواقبه قاتلة.
وتشكل تكلفة الأدوية النادرة والعلاجات البيولوجية عقبة أمام غالبية سكان المنطقة، بعض المرضى يعتمدون على المنظمات، لكن توفر الدواء غير ثابت ويتغير وفق التمويل، ما يجعل العلاج أشبه بـ”قرعة” لا يمكن التنبؤ بنتيجتها.
وفي مستشفى إدلب المركزي، يقول الطبيب معن السلوم (44 عاماً)، وهو أخصائي أمراض صدرية، في حديثه لـ”963+” إن معظم الحالات النادرة تصلهم بعد أشهر من الأعراض المتكررة دون تشخيص واضح، وبعض هذه الأمراض “تكون وراثية ومناعية بحاجة لتحاليل جينية وتصوير متقدم غير موجودين هنا، حيث تعمل الكوادر الطبية وفق الاحتمالات وتحاول السيطرة على الأعراض فقط، إذ إن نصف التشخيص مفقود، وهذا أخطر ما يواجه المريض”. ويضيف السلوم أن عدد الحالات التي يُشتبه بأنها نادرة في تزايد، ليس بسبب زيادة الانتشار، بل بسبب سوء المتابعة ونقص الكوادر والمختبرات القادرة على تحديد السبب بدقة.
ويواجه قطاع الرعاية الصحية في إدلب تحديات كبيرة أثرت في البنية التحتية الصحية وتوفر الخدمات الأساسية، حيث تعاني المنطقة من نقص في المرافق الطبية، والكوادر المتخصصة، والمستلزمات والأدوية، بالإضافة إلى صعوبة الوصول إلى الخدمات، بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية والنزوح الداخلي، ما يزيد من الضغط على القطاع الصحي ويؤدي إلى انتشار الأمراض.
ومع غياب أجهزة التشخيص الحديثة، تتحول بعض الحالات إلى ما يشبه “لغزاً طبياً”، بحسب ما يوضحه الطبيب محمد عاشور (52 عاماً) أخصائي الأمراض المناعية، لـ”963+”، فيقول إنهم يشاهدون حالات تبدو نادرة، لكنها قد لا تكون كذلك فعلياً، غير أن غياب القدرة على الوصول إلى تشخيص قاطع يبقيها دون معالجة دقيقة، لافتاً إلى أن التشخيص يمثل نصف العلاج، لكن هذا الجزء الحاسم مفقود في ظل الظروف الراهنة.
ويبين أن بيئة إدلب، بما فيها البرد القاسي شتاءً، والغبار، وتلوث المياه، وسوء التغذية، تساهم في تسريع تفاقم الأمراض المناعية والوراثية، خاصة أن المرضى يفتقرون إلى الحد الأدنى من مقومات الرعاية، من غذاء متوازن وبيئة مناسبة وتوفر ثابت للأدوية، ما يجعل المرض النادر يتحول سريعاً إلى حالة خطيرة.
وتحت ضغط هذا الواقع، يوضح عاشور أن كثيراً من زملائه يلجأون إلى “التطبيب عن بُعد” بحثاً عن فائدة تبقى محدودة، إذ يبدو الأمر أشبه بمحاولة “إجراء عملية جراحية بدون أدوات”، حيث يطلب الأطباء في الخارج تحاليل غير متوفرة أو أجهزة غير موجودة في المنطقة، ما يدفع الكادر المحلي في النهاية إلى الاكتفاء بمعالجة الأعراض ومراقبة تدهور الحالة. ويشدد عاشور على أن هذا الأسلوب لا يمكن أن يكون بديلاً عن وجود مراكز متخصصة أو مختبرات وراثية قادرة على تقديم تشخيصات دقيقة. ويضيف أن المرضى يعيشون معركتين مزدوجتين، جسدية تُرهقهم ونفسية تشتد مع كل نوبة غير متوقعة أو تأخر في الدواء، ما يولد شعوراً دائماً بالقلق والخوف من انهيار مفاجئ، والإحساس بأن البيئة الطبية والمعيشية لا توفر الحد الأدنى من الأمان الصحي، ما يجعل الأمراض النادرة أكثر قسوة مما هي عليه في الظروف الطبيعية.
وتعتمد محافظة إدلب على خليط من المستشفيات المدعومة ومنظمات الإغاثة، لكن لا توجد خطة شاملة للتعامل مع الأمراض النادرة، وفق ما أكدته مصادر طبية لـ”963+”. وتشير هذه المصادر إلى أن محاولات تسجيل المرضى في قاعدة بيانات واحدة ما زالت في بداياتها، وأن نقص التمويل وغياب الأجهزة المتقدمة يعرقل تأسيس برامج علاجية طويلة الأمد، خاصة أن الحالات النادرة تحتاج إلى تتبع دقيق وبروتوكولات علاجية وأدوية ثابتة غير متوفرة.
وحيث تتقاطع آثار الحرب مع الفقر والبرد والنزوح، في إدلب، تتحول الأمراض النادرة من تشخيصات طبية معقدة إلى أحكام قاسية على حياة كاملة من الانتظار والخوف. هنا لا يواجه المرضى علةً واحدة، بل يواجهون منظومة كاملة من الغياب: غياب الأجهزة، وغياب الدواء، وغياب القدرة على الوصول إلى تشخيص يقيني يمنحهم فرصة حقيقية للنجاة. وبين أمّ تراقب أنفاس طفلها كل ليلة، ومريض ينتظر دواء قد لا يصل، وطبيب يداوي بالأعراض بدل الأسباب، تتكشّف فجوة إنسانية عميقة لا تسدّها الإسعافات المؤقتة. ومع أن التشخيص يمثل “نصف العلاج”، كما يقول الأطباء، فإن هذا النصف مفقود في إدلب، ومعه يضيع النصف الآخر تلقائياً. فغياب الخطط الصحية طويلة الأمد، وضعف التمويل، وانشغال المنظمات بالأولويات الطارئة، يجعل الأمراض النادرة أكثر فتكاً مما هي عليه في الظروف الطبيعية. وبينما يواصل المرضى معركتهم الصامتة، تبقى الأسئلة مفتوحة: متى تتحول هذه الحالات من أرقام منسية إلى أولوية إنسانية؟ ومتى يصبح الحق في العلاج أمراً واقعاً لا حلماً مؤجلاً في خيام النزوح؟










