يؤكد خبراء الاقتصاد وأصحاب الأعمال أن الإعلان عن الأسعار بالدولار، خاصة في الأسواق السورية غير المستقرة، يؤدي فعلياً إلى زيادة الطلب على الدولار وارتفاع سعره، بسبب آثاره النفسية والسلوكية في السوق. ويشكل ذلك تحدياً أمام استقرار العملة الوطنية، ما يستدعي تدخلات حاسمة من المؤسسات النقدية والرقابية لوقف هذه الظاهرة وتعزيز الثقة في العملة المحلية.
في الشارع والأسواق السورية، بات من المشاهد المألوفة وجود لافتات مكتوب عليها: “السعر يعادل بالدولار”، حتى لو كان الدفع بالليرة السورية. هذه الظاهرة تثير جدلاً واسعاً حول دورها في زيادة الطلب على الدولار ورفع سعره، وسط مخاوف من حالة “الدولرة” غير الرسمية.
ويفسر الاقتصاديون ذلك بأن ربط الأسعار بالدولار يخلق ما يسمى “دولرة الاقتصاد”، وهي مرحلة تفقد فيها العملة المحلية دورها الفعلي كوحدة قياس للقيمة. عندها يصبح الطلب على الدولار ليس فقط لأغراض التجارة أو الاستيراد، بل لأبسط عمليات البيع والشراء اليومية.
ومع ازدياد الطلب ـ سواء من المستهلكين أو التجار أو حتى المضاربين ـ يرتفع سعر الدولار مقابل العملة الوطنية بشكل مضطرد. ففي بلد يعاني من تقلبات مستمرة في سعر الصرف، لم يعد الدولار الأميركي مجرد عملة أجنبية، بل أصبح “ميزان السوق” الذي تُقاس به الأسعار وتُحدد به القيم.
وأصبحت ظاهرة الإعلان عن الأسعار بالدولار ممارسة شائعة في الأسواق، لكن يبقى السؤال: هل لهذه الممارسة تأثير سلبي على سعر صرف العملة السورية عبر زيادة الطلب على الدولار؟ سؤال يتقاطع مع يوميات المواطن، الذي بات يتابع حركة سعر الصرف لحظة بلحظة. يرى بعض الخبراء أن ربط الأسعار بالدولار يحفز الطلب عليه وبالتالي رفعه، بينما يرى آخرون أن تسعير البضائع بالدولار لا يعني خروج الدولار من السوق، بل زيادة كمية الدولار المتداولة، مما قد يؤدي أحيانًا لانخفاض سعره.
اقرأ أيضاً: ماستركارد في سوريا: مذكرة تفاهم أم بوابة لتحوّل مصرفي شامل؟ – 963+
من السوق إلى المستهلك: الدولار بوصلة الأسعار
في جولة على عدد من المحال التجارية ومنصات البيع الإلكتروني، تبين أن العديد منها يعلن عن أسعاره بالدولار الأميركي بشكل مباشر، أو يربط أسعار المنتجات بسعر صرف الدولار في السوق الموازي. هذه الظاهرة واضحة في معظم القطاعات، من الإلكترونيات والسيارات وبعض السلع المستوردة وحتى العقارات.
ويقول الدكتور أحمد قنير، أستاذ الاقتصاد بجامعة دمشق لـ”963+”: “الإعلان عن الأسعار واستخدام الدولار كعملة قياس رئيسية في المعاملات التجارية يُعتبر من العوامل التي تؤثر بشكل كبير على الطلب على الدولار. فعندما يتم تحديد الأسعار بالدولار، يُضطر المشترون والبائعون إلى اقتناء الدولار لتلبية هذه المعاملات، مما يؤدي إلى زيادة الطلب عليها، ويؤثر نفسياً وواقعياً على السوق. عندما يبدأ التاجر والمستهلك بتسعير السلع بالدولار، تتحول العملة الوطنية إلى مجرد وسيط، ويهرع الناس لشراء الدولار لتأمين حاجاتهم الشرائية أو الاستثمارية”.
ويضيف قنير: “عندما تُعلن الأسعار بالدولار، يتجه الأفراد للاحتفاظ به كوسيلة للادخار أو لإتمام معاملات مستقبلية، ما يزيد المضاربات حوله ويضع ضغطًا على السوق المحلي، ومع زيادة الطلب يرتفع السعر بطبيعة الحال”.
تجارب فعلية من السوق: المواطن بين المطرقة والسندان
في السوق السورية، يجد الزبون أن كثيراً من الباعة يعلنون أسعارهم بـ”ما يعادل بالدولار”، وإن كان الدفع بالليرة السورية. هذا السلوك، وفق المستهلكين، يخلق شعورًا بعدم استقرار الليرة ويدفع البعض للبحث عن ملاذ آمن في الدولار.
تقول ليلى، وهي موظفة، في حديث لـ”963+”: “أشعر أن كل شيء مربوط بالدولار، حتى راتبي أقيسه يومياً بالدولار لأعرف قيمته الحقيقية”.
ويقول خالد، صاحب متجر أدوات كهربائية لـ”963+”: “الزبون لم يعد يثق في السعر إذا لم يكن مرتبطاً بالدولار، ونحن أيضًا نحمي أنفسنا من التذبذب، وإلا نخسر رأس المال خلال يومين”.
أما أحمد، صاحب متجر إلكترونيات، فيوضح لـ”963+” أن بعض الموردين يُلزمونه بالدفع بالدولار أو وفقًا لسعر الدولار في السوق، ما يجعله مضطرًا لشراء كمية من الدولارات بشكل دوري “حتى لا أتفاجأ بتقلب السعر وأتحمل خسائر أكبر”.
ويضيف: “من البديهي أن ارتفاع الطلب على الدولار يؤدي مباشرة إلى رفع سعره مقابل الليرة، لأن زيادة الطلب تضغط على المعروض”.
وفي المقابل، تؤكد منى، سيدة تسعى لشراء سيارة، أنها تتابع يوميًا سعر الدولار لأنها تعلم أن سعر السيارة سيرتفع مع كل زيادة في سعر الدولار، رغم تعاملها بالليرة السورية.
يبدو أن الإعلان عن الأسعار بالدولار لم يعد مجرد وسيلة محاسبة بين التجار، بل أصبح عاملاً نفسياً واقتصادياً يرفع الطلب على الدولار ويزيد من هشاشة الليرة.
وبينما تؤكد الجهات الرسمية ضرورة الالتزام بالتسعير بالليرة، يرى الخبراء أن الحل لا يكمن فقط في الرقابة، بل في إعادة الثقة بالعملة الوطنية عبر سياسات نقدية متوازنة وتوسيع نطاق التعاملات التي تحمي السوق.
اقرأ أيضاً: فوضى الصرافة في سوريا: سوق موازية تتحكم بالليرة وتثقل كاهل المواطنين – 963+
هل الإعلان عن الأسعار بالدولار يرفع الطلب عليه حقًا؟
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمود خميس، في تصريحات لـ”963+” أن العلاقة بين الإعلان بالدولار وارتفاع سعره علاقة تبادلية تتغذى على انعدام الثقة في العملة المحلية. ويشير إلى أن معالجة الظاهرة تحتاج إلى سياسات اقتصادية شاملة تعيد الثقة للعملة المحلية.
ويذكر خميس عدة آليات لزيادة الطلب على الدولار عند الإعلان عن الأسعار به: “عند تحديد الأسعار بالدولار، يحتاج المشاركون في السوق إلى الدولار لتسوية المدفوعات. التأثير النفسي للسوق، إذ قد يخلق الإعلان عن الأسعار بالدولار انطباعًا بأن الدولار سيكون العملة الأكثر طلبًا وفائدة مستقبلًا، مما يدفع المستثمرين والتجار لشراء الدولار بكميات أكبر، باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات عدم اليقين التجاري”.
ويضيف: “الإعلان بالدولار يعزز ما يسمى ‘الدولرة غير الرسمية’، أي أن العقل الجمعي يبدأ بالتفكير بالدولار كعملة مرجعية، ما يزيد الطلب عليه ولو بشكل نفسي”.
ويؤكد خميس: “المشكلة ليست فقط في البيع بالدولار، بل في تكريس فكرة أن الليرة غير صالحة كوسيلة للتسعير، وهذا أخطر من فارق السعر نفسه. الإعلان بالدولار لا يعني أن المواطن سيذهب فوراً لشراء الدولار، لكن عندما تتسع الظاهرة، يصبح التاجر والمستهلك ميالين للاحتفاظ بالدولار، وهذا يقلل المعروض ويرفع السعر. كما أن الإعلان غالبًا ما يؤدي إلى زيادة تكلفة السلع المستوردة، مما يؤثر على التضخم، ويزيد عبء الديون المقومة بالدولار على الاقتصاد السوري الناشئ”.
وجهة نظر رسمية
مصدر في وزارة الاقتصاد يؤكد لـ”963+” أن القانون السوري يمنع الإعلان عن الأسعار بالدولار ويعتبره مخالفة صريحة، مشيرًا إلى أن الرقابة تضبط حالات دورية، لكن انتشار الظاهرة يعود إلى ضعف الالتزام وغياب البدائل الواقعية.
ويتابع المصدر: “الإعلان بالليرة يعزز استقرارها، أما ربط الأسعار بالدولار فهو اعتراف غير مباشر بعدم الثقة بالعملة الوطنية”.
الحلول والسياسات الممكنة
الدكتور يوسف المطلق، خبير أسواق المال، يقول لـ”963+”: “شهدت دول مثل لبنان والأرجنتين وتركيا ظواهر مشابهة، حيث أدى تداول الأسعار بالدولار إلى تفاقم أزمات العملة المحلية. في المقابل، نجحت دول مثل مصر في الحد من هذه الممارسة عبر تشريعات صارمة ساهمت في استقرار نسبي لسعر الصرف”.
ويؤكد المطلق: “العلاقة تبادلية، فضعف العملة المحلية يؤدي إلى انتشار هذه الظاهرة، وانتشارها بدوره يعمق الأزمة. إنها حلقة مفرغة تحتاج لتدخل حكومي. الحل يبدأ بفرض تشريعات تلزم التسعير والتعامل بالليرة السورية، وزيادة الثقة فيها عبر إجراءات نقدية واقتصادية صارمة، مع تشديد الرقابة على السوق السوداء، وتحفيز عمليات التداول الرسمي للعملة. كما يشمل الحل سياسات نقدية تعيد التوازن، ودعم الإنتاج المحلي لتقليل الحاجة للاستيراد، وفتح قنوات تحويل آمنة للمغتربين، وطرح أدوات ادخارية بالليرة تضمن قيمة حقيقية، بدل ترك المواطن فريسة ‘هوس الدولار”.









