ليست عبارة “اللوغوس المهاجر”، هي أول ما خطر بذهن خلدون النبواني كما يقول، عندما فكّر بوضع عنوانٍ لهذا الكتاب، إذ كان يتأرجح بين عنونته باللوغوس المتردّد، أو اللوغوس الخائف. يكتب النبواني على ظهر غلاف كتابه: “كنتُ أبحث عن كلمةٍ واحدةٍ لا عن عبارةٍ مركبّةٍ تكون نعتًا للّوغوس وتعني فاقد الثقة بنفسه، أو الخائف من مسؤولياته. لكني عدلتُ عن ذلك لسببين: أولهما لأني لم أجد هذا المعنى في كلمةٍ عربيةٍ واحدة، وثانيهما لأني خشيتُ أن أُفهم خطأً فيبدو نعتي للّوغوس العربي بالخائف أو المتردّد وكأنني أريد إلصاق هذه الصفات السلبية به، في حين أني أريد قول عكس ذلك تمامًا. فأنا أريد التأكيد على أن اللوغوس العربي كونيٌّ مكتمل الأركان، لكنه ورغم كوْنيّته وأهميته يظل مع ذلك، للأسف، خائفًا مترددًا شاكًا بنفسه وغير واثقٍ بإمكانياته وإنجازاته”.
والنبواني كاتب ومفكر سوري، من مواليد محافظة السويداء بجنوب سوريا، حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة الأوروبية المعاصرة من جامعة السوربون في فرنسا في عام 2013. درس في جامعة دمشق وتخرج في عام 1999، قبل أن يتابع دراساته العليا في باريس.
بدو وحضر!
يركز النبواني في أبحاثه ومقالاته على التفكيكية وعلاقة الأدب بالفلسفة، إضافة إلى تفكيك المفاهيم السياسية. يُعد من المفكرين الذين يسعون إلى بناء ملاجئ فكرية وروحية للعالم الحديث سريع التغير، ويدعو إلى ضرورة رسم خارطة طريق عملية للمجتمعات العربية توازن بين تغييرات الواقع والتحديات المعاصرة.
فكّر النبواني بعنونة كتابه الصادر حديثاً عن دار “مدارك” باللوغوس البدويّ، “لكني خفتُ من أن يُظن أني أقصد الحطّ من قيمة ما أنُجز في الفلسفة العربيّة قديمها وحديثها، إذ كثيرًا ما ارتبطت البداوة في أذهاننا بالحالة البدائية ما قبل المدنية، أي بوصفها المقابل الحضاري للعمران والتمدّن السابق عليهما، وليس هذا رأيي أبدًا فالعرب هم هذا وذاك، بدوٌ وحضر، ولا يمكن حصر ثقافتهم بالبداوة فقط أو بالعمران وحده”.
واستقر أخيرًا على صفة “المهاجر” إذ لطالما تجلّى له، كما يقول، اللوغوس العربي بثيابه الصحراوية الخفيفة وقلقه الوجوديّ، وخيمته المتنقّلة كوطن مهاجرٍ أبدًا يحمله معه أكثر مما يُحمل عليه. ولأن كل مكانٍ (أي اللّامكان) هو موطن اللوغوس عربيًا فهو كونيٌّ إذن لا تعنيه كثيرًا الجغرافيا واللسان والحدود القومية، ينثر جيناته بين القبائل فيضيع الأثر، أثره، كما تضيع خطى الأقدام العارية في رمال الصحراء.
يضيف النبواني: “لم يكن تردّدي يتعلّق بالصفة فقط بل بالموصوف أيضًا. وبعد المفاضلة بين عدّة مفاهيم وقع اختياري على كلمة اللوغوس. لكن لماذا اللوغوس وليس “العقل”؟، ذلك لأن اللوغوس يظل، بالنسبة لي، أوسع وأغنى من العقل وتذوب فيه “الروح” العربية، بينما يبقى العقل Raison – بالمعنى الذي احتكره الغرب واعتقله في قفص الميتافيزيقا العقلية وقوانين السببية والغائية الأرسطية – غريبًا أجنبيًا يقف على مسافة حتى ولو دُعي إلى صدر البيت. وإذا استولى الغرب على معنى العقل واحتكره، فإن اللوغوس، يظل مهاجرًا يصعب تصفيده واحتكاره في أقفاص الجغرافيا والتاريخ واللسان، ولهذا هو كونيّ. حتى حين يتحدث بلغةٍ محليةٍ قومية”.
الناقل العربي
من أبرز مؤلفات النبواني كتابات تتناول قضايا الحداثة وما بعدها، فلسفة هابرماس ودريدا، ومترجم لكتب فلسفية مهمة منها “الفلسفة في زمن الإرهاب”. كما تناول موضوعات هوية العرب، التنوير، والمفارقات الفكرية والسياسية في العالم العربي الحالي. بحسبه في كتابه الأخير “اللوغوس المهاجر”، وجد العرب أنفسهم متردّدين، خائفين، أمام محاولة احتكار الغرب للعقل الذي صار يعادل معنى الفلسفة ككلّ ويبتلعها، مكتفين بدور الناقل والمريد والتابع والمترجم، ولهذا هم يخافون من أن يسمّوا أنفسهم بالفلاسفة فالفيلسوف عندهم إما أن يكون غربيًا أو لا يكون. بينما لو حرّرنا الفلسفة من سجن العقل الضيّق (على شساعته)، وأعدناها إلى منابعها الأولى في اللوغوس، في الكلمة التي وُلدت منها الفلسفة والبلاغة والشعر والوحي (العرافة) أيضاً، لأدرك العرب أنهم قد اسهموا كثيرًا في الفلسفة وأن اللوغوس ليس غريبًا عنهم وعليهم، فهو أبوهم وابنهم في نفس الوقت نشؤوا عنه وأبدعوا فيه وربّوه على خلاف ما يعتقدون. في اللوغوس، يتبيّن أن العرب بقدر ما كانوا تلامذة الغرب، بقدر ما كانوا أساتذته أيضًا.
صحيح أن جذر كلمة اللوغوس يعود إلى الإغريقية λόγος lógos، إلا أنها إغريقيةٌ شرقية، لغة الإغريق ما قبل سيطرة العقل الأفلاطونيّ، وما قبل المرحلة الإسكندرانية: “لغة، الينابيع الصافية حيث كان كل شيءٍ عظيمًا وإنسانيًا وطبيعيًا” كما يقول نيتشه. ويكتب النبواني: “لهذا نجد تعدّدية المعاني في الأصل الإغريقي للوغوس: فهو يرتبط بالكلام والصوت والخطاب والشفاهة. في اللوغوس يسكن البيان والشعر بجوار المنطق والعقل من دون عداوة، فجميعهم ينطقون بالكلمة الملقاة في الهواء لتسافر حرةً طليقةً تحمل المجاز والبرهان العقلي معًا، والوضوح الغامض، والبلاغة والمنطق في آن واحد. بهذا المعنى اللوغوس، الذي لا يُقصي الشعر والبلاغة والبيان، هو بدويٌّ ايضًا، أي عربيٌّ بملامحه ولهذا هو جزءٌ من التراث الدينيّ المسيحيّ الشرقيّ أيضاً”.
ويختم النبواني تعريفه الشخصي بكتابه بالقول: “هكذا يتضمّن اللوغوس Logos العقل والمنطق Logic أيضًا، إلّا أنه يتجاوزهما فهو أوسع وأشمل. حين يتحدّد اللوغوس ويتخصّص يُصبح عقلًا، وقد يعود العقل لوغوسًا إن هو تجاوز حدوده وأصبح كونيًّا. لكي يتحوّل اللوغوس إلى عقل يُمسخ ويخسر ويفقد ويتحدّد ويفتقر، ولكي يرجع العقل لوغوسًا عليه أن يوسِّع مداه وأفقه فيتحرّر من برودة المنطق وحيادية البرهان ويصبح شاعريًا. وبمعنى آخر عليه ان يتحرّر من ثقْل العقل ويحلِّق بأجنحة المخيّلة الرشيقة. وإذا كان العقل، وفق المركزية الغربية، منتجًا غربيًّا خالصا، فإن اللوغوس ولد عندنا في الشرق قبل أن يهاجر وينجب العقل في إحدى رحلاته إلى الغرب”.










