شهد الجنوب السوري تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً جديداً بعد ساعات قليلة من اختتام مؤتمر الحوار الوطني السوري، حيث شنت إسرائيل سلسلة من الضربات الجوية والتوغلات البرية، مما أثار تساؤلات حول الدوافع الحقيقية لهذا التصعيد وانعكاساته على المشهد السوري.
وقصفت الطائرات الإسرائيلية عدة مواقع عسكرية في ريفي دمشق ودرعا، ما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص. كما توغلت قوات برية إسرائيلية في مناطق جديدة بريف القنيطرة ودرعا جنوب غربي سوريا.
وأفاد مصدر عسكري سوري لموقع “963+” بأن الطائرات الإسرائيلية استهدفت بخمس غارات “اللواء 112” على أطراف مدينة إزرع وكتيبة على طريق بصر الحرير بريف درعا الأوسط. كما أشارت وسائل إعلام مقربة من الإدارة السورية الجديدة إلى أن الغارات في ريف دمشق استهدفت دبابات وآليات عسكرية تم تجميعها في “الفرقة الأولى” قرب بلدة الكسوة.
وجاء هذا القصف بعد صدور البيان الختامي لمؤتمر الحوار الوطني السوري، الذي دان “التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية”، وطالب بالانسحاب الفوري وغير المشروط، كما رفض التصريحات الإسرائيلية الأخيرة حول الجنوب السوري، واصفًا إياها بأنها تدخل غير مقبول في الشأن الداخلي للبلاد.
وتزامناً مع الغارات والتوغل البري، صرح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن “سلاح الجو الإسرائيلي يهاجم بقوة في جنوب سوريا في إطار السياسة الجديدة التي حددتها تل أبيب لتهدئة جنوب سوريا”. وأضاف: “أي محاولة من الجيش السوري الجديد لبناء وتعزيز قدراته في مناطق جنوب سوريا ستقابل بالنار”.
اقرأ أيضاً: إدانات أممية وعربية للقصف والتوغل الإسرائيلي في سوريا
رسائل التصعيد الإسرائيلي
يرى محللون أن التصعيد الإسرائيلي الأخير يحمل دلالات سياسية وأمنية واضحة. الباحث الإسرائيلي مردخاي كيدار أشار في تصريحات خاصة لموقع “963+” إلى أن الغارات والتوغلات جاءت بمثابة رسالة قوية من إسرائيل للإدارة الانتقالية السورية، خاصةً وأنها تزامنت مع اختتام مؤتمر الحوار الوطني.
وقال كيدار: “الرسالة الإسرائيلية مفادها أن تصريحات تل أبيب ليست مجرد أقوال، وإنما تتحول إلى أفعال، ولن يستطيع أحد إيقافها لأن الجميع يعلم أنه ستكون هناك ردود قاسية”.
وأضاف الباحث الإسرائيلي أن “إسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي وستقوم بحماية الدروز في الجنوب السوري، في ظل سياسة التهميش التي تتبعها الإدارة السورية الجديدة ضد المكونات والأقليات”.
أما الناطق باسم تجمع أحرار حوران، أيمن أبو نقطة، فاعتبر في تصريحات لـ”963+” أن “الرسالة الإسرائيلية الأخيرة تهدف إلى خلق حالة من الرعب بين سكان الجنوب السوري، مما يدفعهم للتخوف من المستقبل”، مؤكدًا أن القصف والتوغل والتصريحات الإسرائيلية جاءت وفق مخطط معد مسبقًا بتوقيت معين، بهدف قضم المزيد من الأراضي السورية واحتلالها.
من جهتها، رأت أستاذة العلوم السياسية، أريج الجبر، أن “إسرائيل تريد توضيح أن وصول أحمد الشرع إلى السلطة هو تفكيك لوحدة الأراضي السورية بحجة ترسيخ مشروع إسرائيل الكبرى، وإيجاد مناطق عازلة”. وأوضحت في حديثها لموقع “963+” أن “إسرائيل أرادت الرد المباشر على البيان الختامي لمؤتمر الحوار الوطني الذي أدان التوغلات الإسرائيلية، عبر استعراض قوتها العسكرية لإحراج الجانب السوري”.
اقرأ أيضاً: هجوم إسرائيلي غير مسبوق على دمشق.. ما الذي تريده تل أبيب؟
إنشاء منطقة أمنية عازلة؟ أم ضغوط نحو التطبيع؟
يرى الباحث في المركز الفلسطيني للدراسات الاستراتيجية، خليل أبو كرش، أن تل أبيب تسعى لاستثمار التحولات في سوريا لصالح مصالحها الأمنية. ويقول لـ”963+”: “إسرائيل تعيد تعريف سوريا بوصفها ساحة حرب، وتضع خطوطًا حمراء لمنع أي جهة من تجاوزها، وفي هذا الإطار، تقوم باحتلال أراضٍ داخل سوريا بهدف إقامة منطقة أمنية عازلة”.
وحول موقف الإدارة السورية الانتقالية من الاعتداءات الإسرائيلية، قالت أريج الجبر إن “الشرع وقف موقف المتفرج مكتفياً بالإدانة، دون اتخاذ خطوات عملية للدفاع عن الأراضي السورية”.
وتزامن هذا التصعيد مع تصريحات ستيف ويتكوف، المبعوث السابق للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط، الذي قال خلال فعالية في واشنطن إن “سوريا ولبنان يمكن أن ينضما لاتفاقيات التطبيع مع إسرائيل قريبًا، بعد الضربات التي تعرضت لها القوى المدعومة من إيران هناك”.
وفي هذا السياق، ترى أريج الجبر أن “إسرائيل تحاول خلق ضغوط مضاعفة على سوريا لدفعها نحو التطبيع”. بينما يعتقد أيمن أبو نقطة أن “من المبكر الحديث عن تطبيع كامل، ولكن قد يكون هناك اتفاق سلام بين الطرفين برعاية إقليمية”.
السيناريوهات المحتملة
أما فيما يخص مستقبل الجنوب السوري، يعتقد المحلل الحوراني أن “هناك احتمالية لتدخل دولي لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وربما يكون هناك دور لكل من تركيا والأردن في هذا الإطار”.
بينما يرى خليل أبو كرش أن “المستقبل القريب يحمل مزيدًا من التوتر في الجنوب السوري، حيث تسعى إسرائيل لفرض سيطرتها على المنطقة”، مشيرًا إلى أن “التوسع والتمدد خارج الحدود هو ركيزة أساسية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، لتغيير وجه الشرق الأوسط وإعادة تشكيله بما يتوافق مع مصالحها”.
وفي ظل هذا التصعيد، يشير مراقبون إلى أن “إسرائيل تسعى لإعادة رسم ملامح المنطقة الجنوبية من سوريا، ليس فقط من منظور أمني، وإنما أيضًا من خلال فرض واقع جديد قد يكون مقدمةً لمشهد أكثر سخونة في سوريا خلال المرحلة المقبلة”.