تعيش آلاف الأسر السورية اللاجئة في الأردن واقعاً متشابكاً يجمع بين صعوبة الحياة في اللجوء وأمل العودة إلى وطن بات غامض الملامح بعد التغيرات السياسية الأخيرة. التحولات الجذرية في سوريا، مع صعود قائد الإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع للحكم والتعديلات الحكومية الشاملة، طرحت ملف العودة الطوعية على طاولة النقاش، لكن هشاشة الاقتصاد والاضطرابات السياسية تجعل هذه الخطوة محفوفة بالمخاطر.
وتتواصل الجهود الأردنية لدعم العودة الطوعية، حيث كشفت وزارة الداخلية أن 13,000 سوري عادوا منذ كانون الأول/ ديسمبر 2024، منهم 1,309 لاجئين مسجلين رسمياً. إلا أن هذه العودة تتم على وقع تحديات كبيرة، أبرزها المخاوف الأمنية في الجنوب السوري، والاضطرابات السياسية، والنقص في الموارد الأساسية.
الأردن، الذي يرى العودة الطوعية حلاً إنسانياً واستراتيجياً، ينسق مع الأطراف المعنية لضمان استدامة هذا المسار، لكنه يواجه معضلة تحقيق توازن دقيق بين تسهيل العودة وضمان بيئة آمنة ومستقرة في سوريا.
بين الأمل والحذر
في مخيم الزعتري بمحافظة المفرق، تنعكس معاناة اللاجئين في شهادات تسلط الضوء على تعقيد الموقف.
خليل إبراهيم، لاجئ من درعا، يقيم في المخيم منذ 2014، يروي قصته لموقع “963+” قائلًا: “هربنا من القصف وتدمير البيوت في 2011، وكانت الأردن الملاذ الآمن. رغم الدعم الذي حصلنا عليه، فإن واقع سوريا اليوم لا يشجع على العودة. بيتي دُمر بالكامل، والوضع الاقتصادي متهالك. كيف أعود وأطفالي يحتاجون تعليمًا ومستقبلًا أفضل؟”.
على الجانب الآخر، اللاجئة السورية فاطمة من إدلب، عبرت عن تحفظها في حديث لـ”963+” قائلةً: “رغبتي بالعودة كبيرة، لكنني أخشى أن النظام لا يزال يتعامل بحذر مع المناطق التي خرجت عن سيطرته. أحتاج ضمانات دولية لحماية المدنيين قبل التفكير في العودة”.
أما اللاجئ محمود من حلب، فيفضل البقاء في الأردن: “الحياة هنا صعبة، لكنها أفضل من مناطق مدمرة في سوريا. الأمن والتعليم وفرص العمل في الأردن تمنحنا أملاً بمستقبل أفضل”، يقول لـ”963+”.
المفوضية السامية: الأمان شرط العودة
رولاند شونباور، المتحدث باسم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أكد أن حق العودة يجب أن يكون مدعوماً بالاستقرار والأمان. وأشار إلى زيادة أعداد العائدين بعد التغيرات السياسية، لكنه شدد على أن الظروف في سوريا لا تزال تعاني من الدمار وانعدام الأمن.
وأوضح شونباور أن المفوضية مستمرة في دعم اللاجئين، رغم التحديات التمويلية التي أثرت على الجهود الإغاثية.
يرى حسن جابر، الخبير في الشأن السوري، أن عودة اللاجئين تحتاج إلى توافقات دولية كبرى ترتبط بملف إعادة الإعمار. ويشير في حديث لـ”963+” إلى أن “الانقسامات في مجلس الأمن تعيق صدور قرارات ملزمة، لكن قرارات الجمعية العامة قد توفر غطاءً دوليًا للبدء بإعادة الإعمار وتشجيع العودة”.
وأوضح جابر أن إعادة الإعمار تمثل “حجر الزاوية”، مشيراً إلى ضرورة تقديم الدعم الدولي لتعزيز فرص العمل وتحسين البنية التحتية في سوريا، لتشجيع اللاجئين على العودة بطريقة آمنة ومستدامة. كما دعا إلى تنسيق الجهود بين الدول المستضيفة مثل الأردن والدول الكبرى لضمان تحقيق هذه العودة.
وبين أمل العودة وصعوبة الواقع، يظل اللاجئون السوريون عالقين في معادلة معقدة. العودة إلى الوطن حلم مشروع، لكنه مؤجل في ظل المعطيات الحالية. وبينما تتواصل الجهود الدولية والإقليمية لمعالجة هذه الأزمة، تبرز الحاجة إلى حلول جذرية وشاملة تعيد بناء الثقة وتوفر الأمان، لتكون العودة ليس مجرد حل فردي، بل خطوة نحو استعادة المجتمع السوري حياته الطبيعية بعد سنوات من المعاناة.










