في ظل تطورات داخلية وإقليمية ودولية، تتجه تركيا نحو إعادة النظر في مقاربتها مع الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، الذي يقضي عقوبة السجن منذ خمسة وعشرين عاماً. وقد جاءت هذه التحولات بعد إعلان لافت أدلى به أوجلان، داعيًا فيه إلى حلِّ حزب العمال الكردستاني وإلقاء السلاح، وهي دعوة أثارت اهتمام الأوساط السياسية والمراقبين.
تصريحات أوجلان ورسالة الحل
عبر بيان تمت تلاوته من قبل وفد من نواب “حزب الشعوب للعدالة والديموقراطية” (ديم) بعد لقائه بأوجلان في سجنه، أكد الزعيم الكردي أن “على جميع المجموعات المسلحة إلقاء السلاح، وعلى حزب العمال الكردستاني حلُّ نفسه”. وأوضح في رسالته التي شدد على أنه يتحمل مسؤوليتها التاريخية: “لا سبيل سوى الديمقراطية والحوار الديمقراطي، ولا بقاء للجمهورية إلا بالديمقراطية الأخوية”، مضيفًا أن “لغة العصر هي السلام، والمجتمع الديمقراطي بحاجة إلى التطوير”. كما دعا الحزب إلى عقد مؤتمر عام لاتخاذ قرار بحلِّ نفسه.
وكانت هذه التصريحات متوقعة إلى حد ما، خاصة أنها تتماشى مع موقف أوجلان السابق عندما دعا لسحب السلاح عام 2013. وفي وقت سابق من الشهر الحالي، صرّح مسؤول في حزب الديموقراطية مساواة الشعوب أن “أوجلان يستعد لإطلاق دعوة تاريخية قريباً، بهدف حل دائم للقضية الكردية”، مؤكداً أن الحزب “مستعد لحل دائم وجذري، ويولي أهمية لهذه الدعوة ويؤيدها”.
اقرأ أيضاً: دعماً للسلام… أوجلان يدعو “حزب العمال الكردستاني” لإلقاء السلاح وحل نفسه – 963+
الدولة التركية والموقف الرسمي
في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أيّدت حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان اقتراحاً قدمه دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية وحليف أردوغان، لأوجلان بالدعوة إلى إلقاء السلاح، وهو ما يعكس تغيراً ملحوظاً في تعاطي الدولة التركية مع القضية الكردية.
ويرى الدكتور محمد نور الدين، الباحث في الشأن التركي، أن دعوة أوجلان لحل حزب العمال الكردستاني ونبذ السلاح “تشكل ذروة نكران الذات لقائد أفنى عمره من أجل قضية شعبه الكردي في تركيا”.
وحول ما إذا كانت هذه الخطوة ستقود إلى سلام دائم، يوضح نور الدين لموقع “963+”: “أوجلان، الذي بدأ حياته السياسية بالمطالبة باستقلال الأكراد، لم يذكر الآن أي شيء عن الاستقلال أو الفيدرالية أو الحكم الذاتي، وهو ما يوحي برغبته في التعايش السلمي والمواطنة المتساوية داخل تركيا”.
وفيما يتعلق بإمكانية أن تتجاوب الدولة التركية مع دعوة أوجلان، يشير نور الدين إلى أن “التاريخ يظهر أن النخبة الحاكمة في تركيا، سواء كانوا إسلاميين أو علمانيين أو عسكريين، استخدموا القضية الكردية لتحقيق مكاسب سياسية. وفي ظل الظروف الحالية، هناك تساؤلات حول مدى استعداد الدولة التركية للقيام بخطوات حقيقية تعزز الحقوق الكردية مثل الاعتراف الدستوري أو التعليم باللغة الكردية”.
اقرأ أيضاً: قائد “قسد“: دعوة أوجلان لإلقاء السلاح موجهة لـ“العمال الكردستاني” وليس لقواتنا – 963+
التزامات أم مناورة سياسية؟
من جهته، يوضح الدكتور طارق حمو، الباحث في المركز الكردي للدراسات، أن “دعوة أوجلان جاءت عقب مباحثات جرت بينه وبين الدولة التركية، شملت لقاءات مع مسؤولين حكوميين وزعماء المعارضة”.
ويرى حمو في حديث لـ”963+” أن هذا التطور “يعكس تحولاً في التعاطي الرسمي التركي مع القضية الكردية، لكن السؤال الأهم هو: هل هناك التزام حقيقي بحل القضية، أم أن الأمر مجرد خطوة تكتيكية؟”.
ويضيف: “عندما نرى أن هذه المباحثات شملت لقاءات مع رئاسة البرلمان ومسؤولين كبار في الحكومة، فهذا يوحي بأن هناك توجهاً جديداً. لكن التجارب السابقة تدفع إلى التشكيك في مدى التزام الدولة التركية، خاصة أنها لطالما استخدمت القضية الكردية كأداة سياسية”.
وفيما يخص مستقبل “حزب العمال الكردستاني” بعد دعوة أوجلان، يشير حمو إلى أن “هناك سيناريوهات عديدة، منها أن الحزب قد يعيد تشكيل نفسه في إطار سياسي بديل، لكن المؤكد هو أن وقف العمليات المسلحة سيظل مشروطاً بالتزام الدولة التركية بتقديم تنازلات حقيقية للأكراد”.
سلام دائم أم محطة تفاوضية؟
في ظل هذه التطورات، تبقى التساؤلات قائمة حول مدى واقعية هذه المبادرة، وما إذا كانت ستشكل نهاية للصراع الطويل أم مجرد محطة تفاوضية أخرى. ويظل نجاح هذه الخطوة، بحسب محللين، مرتبطاً بمدى التزام الطرفين بتطبيق الاتفاقات المطروحة. وبينما تترقب الأوساط الدولية والإقليمية التطورات القادمة، تبقى الآمال قائمة، رغم الشكوك الكبيرة حول جدية الدولة التركية في تقديم تنازلات حقيقية لصالح الأكراد.