مع عرض أكثر من نصف حلقات المسلسلات السورية لهذا الموسم، بات بإمكان النقاد تكوين آراء نقدية وتقييم مستوى الإنتاج الدرامي، في محاولة لرصد مكامن القوة والضعف التي قد تساهم في تحسين الأعمال المقبلة. استطلعت صحيفة “963+” آراء عدد من النقاد والكتّاب حول واقع دراما رمضان 2025.
“قطع وريد” يعيدنا إلى “العربجي”
يرى الناقد الفني أحمد علي هلال أن الموسم الرمضاني الحالي اتسم بالتنوع، لكنه افتقد للخصوصية، إذ غابت عنه الأعمال التاريخية، فيما أعادت بعض المسلسلات محاكاة أعمال سابقة. وأشار هلال إلى أن بعض الأعمال برزت بجرأتها مثل “قطع وريد” و”السبع”، رغم أنها لا تقدم جديداً من حيث المضمون، حيث يعيد “قطع وريد” إلى الأذهان مسلسل “العربجي” ولكن بجرعة جرأة أكبر وبعض المفاجآت غير المتوقعة.
أما السيناريست محمود إدريس، المشارك في هذا الموسم بكتابة “قطع وريد”، فيرى في حديث للصحيفتنا أن الموسم الحالي لا يعكس التغيرات التي شهدتها البلاد، لأن معظم الأعمال صُورت قبل التحولات السياسية الأخيرة. ويرى إدريس أن التأثير الحقيقي لهذه التغييرات سيبدأ بالظهور في المواسم المقبلة، لافتاً إلى أن الإنتاج تأثر سلباً بانشغال الجمهور بالواقع السياسي والمعيشي. ويتفق الكاتب الصحفي وسام كنعان مع إدريس، مؤكداً أن الظروف الاستثنائية التي مرت بها سوريا، من سقوط النظام السابق إلى عملية ردع العدوان، أثرت بشكل مباشر على الإنتاج الفني. ويوضح كنعان لصحيفة “963+” أن صناع الدراما وجدوا أنفسهم أمام معضلة تنفيذ أعمالهم وفق رقابة النظام السابق، ثم عرضها في عهد جديد، ما أوقعهم في إشكالية التصالح مع الواقع الجديد. ويرى هلال أن دراما رمضان 2025 لم تحقق تقدماً ملحوظاً، لكنها حافظت على مستواها المعتاد. وأشار إلى غياب بعض الأعمال التي أُنجزت ولم تُعرض، لكنه لاحظ وجود توجه لدى صناع الدراما هذا العام نحو كسر الرتابة، خاصة في الدراما الاجتماعية، رغم غياب الدراما التاريخية وقلة الإنتاج الكوميدي.
الدراما وفق مزاج الممول
يرى إدريس أن الدراما السورية لا تزال خاضعة لاعتبارات الممولين، حيث يتم إنتاج أعمال تتوافق مع متطلبات السوق الخارجية أكثر من اهتمامها بالقضايا المحلية. ويأمل إدريس أن تشهد الدراما تحولات تجعلها أكثر التصاقاً بالواقع السوري وتعبر عن هموم الجمهور. ويؤكد كنعان أن مشكلة الدراما السورية تكمن في أنها لا تلامس القضايا اليومية للمواطن، إذ أن صناع الدراما غالباً ما ينفذون توجيهات المحطات الفضائية، التي تحدد طبيعة الأعمال المنتجة. وأشار إلى أن بعض الاستثناءات مثل “غداً نلتقي” استطاعت الغوص في معاناة السوريين، لكنها تظل استثناءً نادراً.
وبحسب كنعان، فإن الموسم الحالي شهد تراجعاً حاداً في مستوى الأعمال الكوميدية. فالمسلسلات الثلاثة التي عُرضت، مثل “ما اختلفنا” و”يا أنا يا هيه”، لم تحظَ بالانتشار المطلوب. وانتقد كنعان مسلسل “نسمات أيلول”، واصفاً إياه بأنه “محاولة كوميدية بائسة”، رغم مشاركة أسماء كبيرة في صناعته، إذ لم يتمكن من تقديم صورة حقيقية للكوميديا أو المجتمع الريفي السوري.
ويتفق النقاد على أن الدراما السورية بحاجة إلى تجديد رؤيتها، بدلاً من إعادة إنتاج أفكار مستهلكة. ويرى محمود إدريس أن الحل يكمن في وجود رأس مال سوري مستقل يدعم الإنتاج، ما يسهم في صناعة دراما أكثر تحرراً. ويشير إلى أن التجربة المصرية تُعد نموذجاً ناجحاً، حيث نجحت في تحويل الدراما إلى صناعة متكاملة، بعيداً عن هيمنة القنوات الخارجية.
نحو مستقبل درامي أفضل
يؤكد أحمد هلال أن تطوير الدراما السورية يجب ألا يقتصر على نقل الواقع فقط، بل يجب أن يسعى لخلق واقع جديد يعكس تطلعات الجمهور ويواكب التغييرات الاجتماعية والسياسية. ويرى أن صناع الدراما مطالبون بالانفتاح على رؤى جديدة، تضمن تقديم محتوى يتماشى مع التطورات الراهنة في سوريا. وفي رسالة موجهة إلى المنتجين، يؤكد محمود إدريس على ضرورة الاستثمار في الدراما كقطاع ناجح يمكن أن يكون رافداً اقتصادياً مهماً. ويشير إلى أن الدراما السورية، رغم نجاحها السابق، لا تزال تُنتج أعمالاً غير مكتملة، ويأمل أن تتاح الفرصة لتطويرها بما يليق بالإمكانات المتاحة.
ويرى كنعان أن الدراما السورية لم تصل بعد إلى مستوى الصناعة المتكاملة، بل ظلت حالة استثنائية. ويوضح أن الانتقال إلى صناعة حقيقية يتطلب وجود سوق عرض محلي قوي، يمكنه استقطاب المنتجين ومنحهم الاستقلالية عن القنوات الفضائية الأجنبية. ويشير إلى أن التجربة المصرية مثال على كيفية بناء صناعة درامية مستدامة، وهو ما تحتاجه الدراما السورية اليوم.
ويرى بعض النقاد أن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب جيل جديد قادر على إحداث تغيير نوعي في المشهد الدرامي السوري. ويشيرون إلى أن الدراما تحتاج إلى أصوات شابة تعكس تطورات العصر وتقدم رؤى جديدة بعيداً عن النمطية والتكرار. ويأملون أن تتاح الفرصة لهؤلاء الشباب للإبداع بعيداً عن الضغوط التجارية والسياسية.
ورغم التحديات، لا يزال هناك أمل في أن تستعيد الدراما السورية بريقها، عبر تقديم أعمال تواكب التغيرات الاجتماعية والسياسية، وتعتمد على نصوص قوية وإنتاج متكامل. فالتاريخ يشهد أن الدراما السورية مرت بفترات صعبة لكنها استطاعت دائماً العودة بقوة، ويبقى الرهان على قدرة صناع الدراما على تجاوز العقبات والتطور نحو الأفضل.










